انتاج فيلم عن الإنعكسات النفسية للحرب في ليبيا

انتاج فيلم عن الإنعكسات النفسية للحرب في ليبيا

السوسنة -  في 25 دقيقة يحاول الفيلم الليبي "والعكس صحيح" تناوُل إنعكسات الحرب في البلاد التي تعيش منذ سنوات على وقع الحروب والصراعات المسلحة ،من خلال قصتين في مستشفى للعلاج النفسي لشخصيتين (مريض وطبيبة) من مدينة بنغازي ،هناك حيث ظلت الحرب مندلعة لأكثر من ثلاث سنوات متواصلة بين قوّات الجيش الليبي والجماعات المسلّحة في المدينة.

 
الفيلم الذي تم تصويره في مصر العام الماضي (2017) ،وتمّ عرضه لأوّل مرّة في أكتوبر من نفس العام ،هو من إخراج المصري أسامة عامر وبطولة كلٍّ من نور الكاديكي وأوجا وسلمي المنفي وسند تنتوش والممثل المصري ياسر علي ماهر، الذي شارك كضيف شرف في دور مستشار بالمستشفى .
 
يصوّر الفيلم بالأساس التأثيرات الجانبية (الإجتماعية والنفسيّة) للحرب في ليبيا ،من خلال قصتين ،إحداهما لمريض يدعى "محسن" يقيم في مستشفى للعلاج النفسي بعد أن فقد أخته وأخوه في تفجير إرهابي إستهدف منزلهم في بنغازي بعد تأخرّهم في مغادرة البيت إثر تحذيرات الجيش بضرورة إخلاء المكان بسبب المواجهات.
 
القصّة التي تروي حياة عائلة متكوّنة من أخوين وأخت ،تفقد في بدايتها هذه الأخيرة ساقها في هجوم على مظاهرات ضد الإرهاب بساحة الكيش في بنغازي ،لتعيش بإعاقة على كرسي متحرّك قبل أن تنتهي حياتها في تفجير إرهابي ،وهي التي كانت حزينة (وفق نص الفيلم) لأنها لن تتمكّن من التجوال مرّة أخرى في شوارع بلادها سيرًا على قدميها .
 
القصّة الثانية هي لطبيبة نفسيّة في المستشفى ،تعيش هي أيضًا حالة نفسيّة صعبة بسبب مغادرتها للبيت جراء المعارك ،وعلاقتها الباردة مع زوجها الذي يضطر للبقاء مع أمه المريضة ،"نور الكاديكي" أو "الدكتورة سمية" في الفيلم تعاني أيضًا من ألام نفسية داخلية حادة بسبب ظروف البلاد وظروفها هي الشخصية الخاصة ،وتتبادل الحكايات مع "محسن" ،الذي تحوّل فجأة بحركة من المخرج إلى طبيب ولتتحوّل سميّة الى مريضة ،لقطة ربّما هي جوهر الفيلم للقول بأن "العكس صحيح" وأنّ القصص المعاناة النفسيّة والإجتماعيّة متشابهة وتمس الجميع بغض النّظر عن هويّاتهم الجندرية أو انتماءاتهم الإجتماعية أو الثقافيّة أو المعرفية.
 
الفيلم من كتابة السيناريست الليبي أنيس بوجواري وهو من مواليد بنغازي عام 1988 وهو مؤلف للعديد من الأفلام: "50 في 60" عام 2013 ،"واحده 25" عام 2014 (وهو فيلم مصري) ،وفيلم "لهفة" عام 2016 ،ثمّ "والعكس صحيح" عام 2017 ،كما أنّه كاتب مسرحية مصرية بعنوان "الطيار" عام 2016 ،وكتاب بعنوان "جن مسلّح" عام 2016.
 
وفاز الفيلم بجائزة أفضل فيلم في مهرجان إيراتو السينمائي الدولي في ليبيا، متقاسمًا الجائزة مع فيلمين آخرين إحداهما عراقي بعنوان "بائعة البخور" والثاني سوري بعنوان "كبسة رز" ،وفق ما أكّده بوجواري فنفسه ي تصريحات صحفية .
 
أهميّة الفيلم أوّ نقطة قوته هو الموضوع المُتناول وطريقة إختياره ،والزاوية الممتازة التي إشتغل عليها حيث عرض التأثيرات الجانبية الكبيرة للحرب في ليبيا ،خاصة الجانب النفسي ،وإنعكساتها الكبيرة على الأفراد من خلال قصصهم الذاتية ومعاناتهم الدّاخليّة والحميميّة في ظلّ التركيز الكبير لكل الفاعلين في المشهد (سياسيين وخبراء ومحللين ومثقفين وفنانين) على الجوانب السياسيّة والإقتصاديّة للحرب ،حيث تبدو المسائل النفسيّة والإجتماعيّة كأنها أشياء غير مرئيّة أو هامشيّة ومتروكة .
 
ورغم أهميّة الموضوع، فإنّ ذلك لا يمكن أن يخفي عديد النقاط الضعيفة في هذا العمل، والتي تمس جميع الجوانب خاصة في السيناريو والأداء، فالحوار يبدو في بعض الأحيان مضغوطا ومكثفا بشكل كبير، وفي لحظات أخرى ضعيفا ومباشرًا جدًا وبلا روح فنية أو إبداعيّة بشكل يخل بجودة النّص والعمل ككل، لكن ذلك قد يُفهم في سياق طبيعة الفيلم بإعتباره فلمًا قصيرًا يبتعد بأكثر ما يمكن عن الإطالة والإسهاب، ومع ذلك كان يمكن أن يكون أكثر قوّة ومشحونا بروح فنيّة أكثر ومتامسكًا بشكل أفضل وأقل "فجاجة" أحيانا ،خاصة وأنّ الموضوع مهم وعلى درجة كبيرة من حسن الإختيار .
 
نقطة الضعف الثانية في هذا الفلم هي ضعف الأداء التمثيلي الذي يبدو واضحًا من خلال التصنّع الواضح في بعض الأحيان، وعدم إتقان تقمّص الشّخصيات، خاصة وأنّ هذا النّوع من الأفلام، التي تشتغل على الجانب النفسي، تحتاج إلى عمل كبير على مستوى الأداء ولعب الأدوار، والتمكّن من كل تقنيات التمثيل ويتطلّب قدرة كبيرة على التعبير وتقمّص الشخصيّة ومعاناتها، وقد يكون الأمر مفهومًا بهذا المعنى حيث أن هذه النوعيّة من الأفلام تظهر فيها النقائص التمثيلية أكثر من غيرها، لكن ذلك لا يحجب أبدًا أنّ هذا الخلل الواضح والكبير والمؤثر في الفلم.
 
مع ذلك (وبشكل عام) فإنّ الفلم يُحسب له ريادته في الدّخول إلى هذه الزّاوية المعتمة والقصيّة من المشهد الليبي المأزوم بالحروب والمعارك، أي زاوية التأثيرات النفسيّة والخراب الإجتماعي العميق الذي تخلّفه الحروب ،ويعتبر (رغم كل هنّاته الفنيّة) خطوة وهامة وتقدّمًا آخر إلى الأمام لصالح الفن والتمثيل والسينما والإبداع والحياة ...في مواجهة الموت الرصاص !