هل التعليم من أولويات الدولة الاردنية ؟


الكاتب : أ.د. محمد تركي بني سلامة
التعليم هو المفتاح الرئيسي لكل معضلات الدين والدنيا، ولا يمكن بناء الأوطان وتحقيق التنمية الإنسانية والتطور الاقتصادي والتقدم الاجتماعي ، دون تطوير مؤسسات التعليم في مراحله المختلفة، وفي عصر الثورة التكنولوجية الجديدة التي نعيشها هذه الأيام، أدركت مبكراً الشعوب التي سبقتنا في كافة المجالات محورية التعليم، إذ إن تحقيق التنمية المستدامة وتوفير الرفاه الاجتماعي للمواطن يقوم بالدرجة الأولى على الموارد البشرية، وعلى مدى قدرتها على اكتساب المعارف والمهارات والخبرات، وتوظيفها لخدمة مصالح  وتطلعات شعوبها. أسوق هذه المقدمة في معرض الإجابة على السؤال الذي هو عنوان هذه المقالة: هل التعليم من أولويات الدولة الأردنية؟ وأعتقد أن الإجابة على هذا السؤال لا تعتمد على مؤشر واحد يتعلق بحجم الإنفاق على التعليم من الناتج القومي الإجمالي، وإنما تعتمد على تصور كلي أو رؤية شمولية أوسع ، يشكل الجانب المادي جزءاً بسيطاً منهما.
الخطاب الرسمي للدولة الأردنية يعتبر التعليم والصحة والغذاء والنقل من ضن أولويات الدولة، وهذا ما أكدت عليه الاستراتيجية الوطنية لتنمية الموارد البشرية التي أُطلقت في عام 2016، لتطوير قطاع التعليم في المملكة والموارد البشرية بشكل عام،  ولكن تلك الاستراتيجية بقيت في الإدراج ومجرد حبر على ورق، حيث لم تأخذ الحكومات المتعاقبة بتوصيات تلك الاستراتيجية، ولم يتم تنفيذها وفقا للآليات المتعارف عليها عبر خطط وسياسات عامة. ولذلك نستطيع أن نقول أن الحكومات المتعاقبة على مدى السنوات الستة الماضية  قد تنصلت من مسؤولياتها بخصوص الاستراتيجية رغم ما قدمته الاستراتيجية من حلول  إصلاحية  من اجل نهضة التعليم ، لم يكن كافيا،  كما يمكن القول أن الادعاء بأنّ التعليم من أولويات الدولة الأردنية هو عبارة عن كذب وتدليس وتضليل وتهريج  وتلفيق ، كونه يتعارض مع الممارسة العملية على أرض الواقع ، وأن محاولة إظهار التعليم كأولوية تحظى بالرعاية هو كلام مغلوط وخطأ فادح ، والخاسر الأكبر من هذا الادعاء هو المجتمع والدولة على حد سواء؛ فالمواطن الأردني وصل إلى قناعة أن التعليم ليس أولوية للدولة منذ تراجع اهتمام الدولة بالقطاع العام بشكل عام والتعليم بشكل خاص، فقد تراجع الاهتمام وازداد تراخي بل وانسحاب الدولة أمام منظمات وتيارات فكرية وسياسية عملت من أجل إضعاف الدولة وتقليص حضورها في محاولة لإبراز دور وأهمية القطاع الخاص، حتى لو كان ذلك على حساب المصالح العليا للبلاد والعباد، فكان من ثمار هذا التوجه تراجع التعليم الحكومي وتبخيسه والحط من قيمته.
 وامام هذا الواقع  نوكد على ان الأردن اليوم في أمس الحاجة الى إعادة ترتيب الأولويات، وإعادة تعريف كل أولوية منها بالاستناد إلى مفاهيم وطنية علمية وإنسانية وأخلاقية متينة ، وإلى وضع خطط استراتيجية لما يجب التأكيد عليه في قادم الأيام  إذا أردنا أن نوقف حالة التردي والانهيار وأن ننتقل  إلى حالة النهوض والتقدم، فأولوية التعليم ببعدها الإستراتيجي العميق، لها تأثير كبير على المستوى البعيد في حسابات الأفراد وفي تنظيم العلاقات بين الدولة والمجتمع.
 إنَ علاقة الدولة بالتعليم واعتباره أولى الأولويات واعتماد تطور كل منهما على الآخر يجب أن تبقى على الدوام محل تفكير ونقاش، ومن يقول غير ذلك لا يعرف أبجديات العلم ولا أساسيات المنطق. وعليه فإن التعليم أولوية مطلوبة لذاتها ومقدمة على غيرها من الأولويات التي لا يحسن الحديث عنها، ما لم تتحقق هذه الأولوية، وذلك لأن الأولويات الأخرى لا يمكن أن تؤتي ثمارها في ظل نظام تعليمي متهالك يخضع للأجندات الخفية والشخصية. كما أنه في ظل نظام تعليمي فاشل لا يمكن أن تكون بقية القطاعات في الدولة بحال أفضل،  وإذا سلمنا بأنَّ التعليم أولى الأولويات، فإن اعتباره كذلك من شأنه أن يجعل مشاكل التعليم من أهم المشاكل في البلاد، وهذا يستدعي إصلاح التعليم ليكون القاطرة التي تقود المجتمع وتؤثر فيه وتحقق أماله وتطلعاته. 
وختاماً، نقول إن معركة إصلاح التعليم جزء لا يتجزأ من معركة الإصلاح السياسي في البلاد، وإنها ضرورة لبناء أردن المواطنة والديموقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية والغد الأفضل،  وإننا  نعول كثيراً على وزير التعليم العالي الذي هو مهندس إستراتيجية تنمية موارد بشرية  وندعوه لإجراء ما يلزم بالسرعة القصوى سواءً على صعيد إقرار حزمة من التشريعات  والأنظمة أو اتخاذ قرارات تجعل من إمكانية الحديث عن استعادة مكانة التعليم وما كان عليه في السبعينات والثمانينيات من القرن الماضي ليس بالمستحيل ،  وللحديث بقيه أن شاء الله