ترامب يتخبط .. وإيران تضع الإصبع على الزناد

ترامب يتخبط ..  وإيران تضع الإصبع على الزناد

25-04-2026 05:47 PM

عندما يقف زعيم أقوى دولة على وجه الأرض أمام وسائل الإعلام في كل العالم، ويتحدث وكأنه رئيس عصابة مافيا أو تاجر مخدرات، مهددًا بإزالة حضارة أمة بأكملها تُعد من أعرق الأمم تاريخًا وحضارة (الأمة الإيرانية)، ومتوعدًا بتدمير البنية التحتية للدولة الإيرانية وإعادتها إلى العصر الحجري؛

والعالم يقف متفرجًا دون أن تجرؤ أي دولة على انتقاد تلك التصريحات الهمجية البربرية التي تعود إلى ما قبل العصور الوسطى؛ فإننا نكون أمام تهديد بجرائم حرب، بل إن بعضها قد حدث بالفعل. ألم تُقصف مدرسة أطفال إيرانية واستُشهد نحو 170 طفلًا وهم على مقاعد الدراسة؟ أليست هذه جرائم حرب بموجب القانون الدولي الذي صاغته الولايات المتحدة نفسها؟ كل ذلك حدث في حرب دامت نحو 40 يومًا، ما يعني أننا أمام ما هو أسوأ من شريعة الغاب.

ولو عدنا لقراءة التاريخ، فمن كان يصدق أن الولايات المتحدة التي انطلق منها (عيد العمال) إثر الحادثة الشهيرة في التاريخ الأمريكي، والذي أصبح يومًا عالميًا يحتفل به العمال (الأول من أيار/مايو)، هي ذاتها التي نراها اليوم؟
أمريكا التي يتصدرها تمثال الحرية كمؤشر على دعمها لحق الشعوب في الحرية وتقرير المصير، وأمريكا التي كان رئيسها أبراهام لينكولن أول من حرر العبيد ومنع العبودية بقرار جمهوري، وأمريكا مبادئ الرئيس ولسون ذات الأربع عشرة نقطة، وأمريكا أيزنهاور الذي قاد الحلفاء للنصر على النازية والفاشية، وأمريكا التي شكلت حلم الأجيال لدى شعوب الأرض في الخمسينيات وحتى منتصف الستينيات من القرن الماضي.

لنصحو اليوم، وإذا بنا أمام أكبر خدعة في العالم؛ حيث انقلبت أمريكا على ذاتها وتنكرّت لكل المبادئ والقيم التي طالما نادت بها. وقد تحقق ما حذّر منه الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور في خطبة الوداع بعد ثمانية أعوام في البيت الأبيض، حين أشار إلى وجود تيار محافظ داخل الحزب الجمهوري من رجال الأعمال والشركات العملاقة، يخلط بين مصالحه الخاصة ومصالح الدولة، وأن وصوله إلى الحكم سيقود أمريكا إلى مصير مجهول، وهو ما عُرف لاحقًا بالمحافظين الجدد.

ورغم كثرة المؤشرات التي تؤكد زيف “الحلم الأمريكي”، الذي استُخدم تكتيكيًا لإحراز النصر في الحرب الباردة وروّجت له الصهيونية وإعلامها، فإن أبرز هذه المؤشرات ما أفرزته الديمقراطية الأمريكية منذ انهيار الاتحاد السوفيتي من رؤساء، بدوا كأنهم أدوات تحركها مصالح معينة؛ بدءًا من جورج بوش الأب الذي قاد تحالفًا لتدمير العراق، مرورًا ببيل كلينتون الذي أنهى ولايته بفضائح شهيرة، ثم جورج بوش الابن الذي قاد غزو العراق بعد سنوات من الحصار.

ثم جاء باراك أوباما، في محاولة لإضفاء بعد إنساني على السياسة الأمريكية، إلا أن سياساته في بعض الملفات أثارت جدلًا واسعًا. وبعده جاء دونالد ترامب بشعار “أمريكا أولًا”، إلا أن قراراته، مثل نقل السفارة إلى القدس والاعتراف بضم الجولان، عكست توجهات مثيرة للجدل دوليًا.

ثم تولى جو بايدن، الذي دعم سياسات أثارت انتقادات واسعة، خصوصًا فيما يتعلق بالحروب في المنطقة. وبعد ذلك عاد ترامب مرة أخرى في سابقة سياسية لافتة.

وقد ترافقت هذه المرحلة مع تصعيدات عسكرية وسياسية، كان من بينها مواجهات مع إيران، لم تحقق فيها الأهداف المعلنة، ما دفع لاحقًا إلى محاولات التفاوض بوسائل دبلوماسية. وكانت باكستان إحدى محطات هذه المفاوضات، بينما استمر التلويح بالتصعيد والتهديد.

إلا أن الواقع يشير إلى أن إيران ليست فنزويلا ولا العراق، وأن سياسة حافة الهاوية لم تحقق نتائج حاسمة.

ويبقى السؤال: هل يُترك أمن العالم واستقراره بيد قيادة متقلبة؟ ولماذا لا يزال بعض العرب يعلّقون آمالهم على مثل هذه السياسات، في وقت تتصاعد فيه التحديات داخليًا في الولايات المتحدة نفسها؟

إنها مفارقة من مفارقات الزمن العربي العجيب، الذي أصبح فيه بعضنا “ترامبيًا” أكثر من ترامب نفسه.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد