الأردن؛ مفهوم الهوية الجامعة بين الطموح والواقع

الأردن؛ مفهوم الهوية الجامعة بين الطموح والواقع

25-04-2026 01:12 AM

لا يختلف اثنان على أنّ "الهوية الجامعة" ليست مجرد مصطلح سياسي يُردَّدُ في الخطب وفي محطات التلفزيون والراديو؛ بل هو مشروع حضاري يسعى لصياغة نسيج اجتماعي متماسك يتجاوز الانقسامات التاريخية والاجتماعية.

في الأردن، يلتقي التنوع الاجتماعي من الأردنيين من ريف وحضر وبادية مع المهاجرين والوافدين؛ بتراث طويل من العيش المشترك؛ لذا يصبح هذا المفهوم اختبارا حقيقيا لقدرة الدولة على بناء مواطنة حقيقية بين كل هذه الفئات. لكنّ التحدي يكمن في عدم فرضه بالقوة ولا بصياغة شعارات؛ بل من بناء الثقة المتبادلة والعدالة في توزيع الفرص والمشاركة الفعلية في صنع القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي. فهل نجح الأردن في ترجمتها إلى واقع، أم ظلت طموحا معلَّقا بين النظرية والتطبيق؟

نظريا، تُعَرَّفُ "الهوية الجامعة" بأنها إطار ثقافي وقانوني يجمع المجتمع تحت مظلة مشتركة تتجاوز الانتماءات الفرعية – العشائرية والإقليمية والعرقية والقومية– إلى رؤية وطنية موحدة.

لقد بدأت تلك الفكرة منذ تأسيس المملكة الهاشمية، حيث شكَّلَ الأمير / الملك عبدالله الأول نواة الدولة الحديثة من خليط بشري متنوع من شرق أردنيين وفلسطينين وشراكسه وشيشان ومهاجرين من الشام ولبنان والجزيرة العربية. وكان النجاح الأولي في بناء جيش موحد؛ ونظام تعليمي يُغْرِسُ قيما مشتركة بين الجميع؛ تحت مظلة االولاء للعرش والأرض أولا.

هذا الإرث أثبت فعاليته في أزمات عربية متعددة؛ حيث تجمَّعَ َالأردنيون تحت راية واحدة رغم تحملهم الخسائر الجسيمة؛ التحول الحقيقي جاء مع التحديات الديموغرافية اللاحقة من تدفق اللاجئين من فلسطين إبان نكبة 1948؛ مما جعل التنوع في الوطن ليس خيارا بل ضرورة للحياة.

لكن ذلك المفهوم يواجه عقبات منطقية واضحة تكشف عن تناقضات جوهرية. الخطاب الرسمي يمجِّدُ "الأردن أولا" كدعوة للتماسك، وغالباً ما يُفْسّر كإشارة للتمييز؛ حيث يُشْعَرُ بعض الشرائح – خاصة من ذوي الأصول الفلسطينية – بالإقصاء. هذا ليس صدفة؛ إنه نتيجة عدم تطابق الخطاب مع السياسات التنفيذية؛ وللرؤية الملكية الجامعة.

قوانين الجنسية والانتخابات؛ رغم تعديلاتها؛ لا تزال تعزز الشعور بعدم المساواة. والضغط الاقتصادي يُحَرِّكُ الانقسام أكثر؛ البطالة المرتفعة بين الشباب تحوّل هذا الاستياء إلى خطاب هوية متطرف. فعندما يرى شاب في "أم الزيغان" أو "بويضه" او "مريغة" أنّ فرص العمل تتركز في العاصمة، يصبح الإنتماء الوطني عندها أمرا نظريا.

الإجراءات الأمنية من جهتها تُضِيف طبقة أخرى من التعقيد. اعتقال بعض المواطنين وسجن الناشطين سياسيا؛ وحجب بعض المواقع الإعلامية؛ قد تكون مبرَّرَةً أمنيا بشروط معينة، لكنها تُولِّدُ إحساسا مؤلما عند الآخرين؛ حين يتم استعمالها بعدم المساواة بين المواطنين .
إنّ "الهوية الجامعة" لا تُبْنَى بالقمع وتكميم الأفواه وزج المواطنين بالسجون؛ وجعل "قانون الجرائم الالكترونية" سيفا على رقابهم؛ بل بالحوار الذي يشمل جميع مكونات الشعب؛ وهنا يكمن التناقض المنطقي؛ فالدولة تسعى لتعزيز الوحدة من خلال تعزيز الأمن، لكن الأمن المفرط يفرّغ المضمون من محتواه السامي، مما يُعْزِزُ البحث عن بدائل من خلال هويات وطنية فرعية؛ هذا يُذكرنا بالنظرية السياسية الكلاسيكية ل جون لوك "السلطة مشروعة فقط إذا كانت تحْمِي الحقوق، وإلا تفقد شرعيتها".

إنّ تحقيق "الهوية الجامعة" يتطلب انتقالا من الشعارات الرنانة إلى الإصلاحات المنطقية والمترابطة؛ وإعادة صياغة الرواية الوطنية؛ لتكون شاملة لا انتقائية؛ تبدأ بتاريخ تعليمي يُبرز إسهامات الجميع؛ من المواطن الأردني في الدفاع عن أرضه وحدوده ووجوده، والفلسطيني في البناء السياسي والاقتصادي، والشركسي والشيشاني في النهضة والبناء؛ والسوري في حركة الإنتاج والدوران اليومي؛ والعمل على تعديل نظام الانتخابات ليكون أكثر عدالة لجميع المواطنين وفي جميع المحافظات؛ وزيادة حصص الشباب؛ ولا بأس من جعل المملكة دائرة انتخابية واحدة؛ مما يضمن تمثيلا حقيقيا يعكس التنوع. والعمل على برامج اقتصادية فعالة ومنطقية وواقعية مُوجَّهَة للمناطق المهمشة؛ تشمل صناعات صغيرة وخفيفة في المحافظات الأكثر فقرا والأقل حظا؛ لتحويل مفهوم الهوية من مفهوم مجرَّد إلى واقع ملموس.

يضاف إلى ما سبق؛ انتاج آليات الحوار الوطني الدائم لتُكْمِلُ الصورة؛ من عقد مؤتمرات دورية؛ ولجان مشتركة ومنصات إلكترونية مفتوحة؛ تحول الشكوى والتذمر والتهميش إلى مشاركة فاعلة في صنع القرار والمصير.

إن دور "العرش الهاشمي" كرمز موحِّد حاسم بقيادة الملك عبدالله الثاني، بتاريخه ورمزيته، يمثلُ الجسر بين تلك المكوِّنات فالأردن للكل؛ أو لا أردن لأحد؛ لانتاج وطن موحد بعدالة اجتماعية ووحدة وطنية صادقة.

ختاما؛ "الهوية الجامعة" ليست حلما؛ بل هي تحدٍ يُحَلُّ بالعقل والصدق والمصارحة وليس بالعواطف؛ فأيّ فشل في ترجمتها على أرض الواقع يعني تفكُّكا داخليا؛ أخطر من أي عاصفة خارجية؛ فالأردن نجح سابقاً في صنع المستحيل؛ ولن يفشل في صنع هويته الجامعة الشاملة والقوية، ليبقى نموذجا مميزا في جوار دول تأكلها الصراعات والانقسامات أفقيا وعموديا.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد