حكاية هيفاء

حكاية هيفاء

25-04-2026 05:59 PM

الفصل الثالث
شوك الذاكرة
الطاولة رقم 13…
حين تتحوّل التفاصيل الصغيرة إلى جروحٍ ناطقة
ليلُ الشتاء ما له سوى شَبّة نار،
وإن زاد بردُ الليل… زدنا حطبها.
لم تكن تعلم أن منظر الورد قد يجرّ خلفه كل تلك الأحزان،
ولم تُدرك أن التعاسة لا تأتي غالبًا إلا من الأشياء التي نتعلّق بها بشدّة.
ارتمت على سريرها، تعتصر مخدتها بعنف، وانفجرت بالبكاء.
كانت تمرّر أصابعها المرتجفة على شوك الورد، كأنها تختبر صدق الألم، وهمست بصوتٍ مكسور:
يا ورد… من علّمك تجرح؟
والجرح ما هو من طباعك…
مغليك من شوفتك يفرح،
هوّن على قلبٍ ملتاعك…
لم يخطر ببالها يومًا أن تتحوّل تلك الأزهار الجميلة إلى مصدر إزعاجٍ ثقيل.
رمقت الباقة بنظرةٍ حانية، وكأنها ترى “محمد” ماثلًا أمامها… يرسم بيده شكل قلب كلما شعرت بالقلق،
ويرسل لها تلك الإشارة الصغيرة التي كانت تمنحها الأمان.
لكنها انتزعت نفسها فجأة من ذلك الحلم، وكأنها تصفع ذاكرتها:
"لا ترجعي إليه…
هل نسيتي أنه تركك؟
نسيتي أنه خضع لرغبات أهله ورحل؟
نسي حبك… وتركك وحدك؟"
أسقطت ساق الورد من يدها، وكأنها تُسقط آخر خيطٍ من الوهم،
واتجهت نحو النافذة.
كانت الغرفة باردة، لكن جسدها يشتعل بحرارةٍ غريبة.
وقفت خلف الزجاج، تسند ذقنها بيدها، وتنظر إلى الشارع بصمتٍ مثقل،
وسقطت دمعة كبيرة… أفسدت بهجة ذلك الصباح الهادئ.
تسلّلت الذكريات دون استئذان…
مطعم "360"، قطعة البرغر،
وتلك اللحظات التي كانا يهربان فيها من المحاضرات فقط ليجلسا معًا.
ابتسمت رغمًا عنها، وهي تستعيد صوته:
"ليش دايم تختاري هالطاولة بالذات… الطاولة رقم 13؟"
وأجابته يومها، بدلعٍ طفولي وضحكةٍ صافية:
"لأني أحب رقم 13… فيه التقينا، بتاريخ 13 أغسطس… ناسي؟"
انطفأت ابتسامتها كما وُلدت… فجأة.
ابتعدت عن النافذة، تمشي بخطواتٍ ثقيلة نحو باب غرفتها،
وقبل أن تخرج… توقفت.
التفتت إلى باقة الورد،
ثم… رمتها في سلة المهملات.
كان وجهها غارقًا بشيءٍ يشبه الماء الأسود…
دموعٌ لا تُرى، لكنها تترك أثرًا أعمق من كل شيء.
يتبع…



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد