ملهمي

ملهمي

26-04-2026 04:04 PM

قلمي لا يكتب، وملهمي غادر الكتاب، وصفحات الدفتر أصبحت صامتة، كأنها تنتظر لمسة تعيد إليها الحياة. تراجع إبداع الخواطر، وخفت بريق الكلمات، وانشغل العقل بأفكارٍ متشابكة، بينما القلب ينزف بصمت، لا يسمعه أحد. وبين هذا كله، يخيم الحزن كسوادٍ على العيون، فتثقل النظرة، وتضيق الدنيا بما رحبت.
أجلس وحيدةً أراقب الفراغ من حولي، أتساءل: أين ذهبت تلك الكلمات التي كانت تتدفق دون استئذان؟ وأين ذاك الشعور الذي كان يحرك قلمي ليكتب دون توقف؟ كأنني فقدت جزءًا مني، جزءًا كان يمنحني الحياة وسط صخب الأيام.
لكن، وبين لحظةٍ وأخرى، تتسلل أشعة الشمس إلى شرفتي بهدوء، كأنها رسالة خفية تقول لي: ما زال هناك أمل. فيبدأ الضوء ينساب في أرجاء المكان، وينير دربي شيئًا فشيئًا، فأشعر بدفءٍ يحيط بقلبي، ويعيد إليّ قواي التي كدت أفقدها. أتنفس بعمق، وأرفع رأسي، وأسير في طريقي متوكلةً على خالقي، مؤمنةً أنه معي في كل خطوة، وأنه لن يتركني مهما اشتدت بي الأيام.
فتقرّ عيني بشعورٍ من الطمأنينة، وينبض القلب من جديد، وكأنه يستعيد حياته بعد طول انتظار، ويعود العقل ليرتب أفكاره، وتبدأ الجوارح بتنفيذ ما عجزت عنه سابقًا. أعمل، وأسعى، وأحاول، وبين العمل والأمل والتوكل، أجد نفسي أستمر رغم كل شيء.
ومع نهاية اليوم، أكون قد أنهكتني التفاصيل، وأثقلني التعب، فأضع رأسي على وسادتي، دون أن أشعر كيف يغمرني النعاس، وكأن النوم رحمة تأتي لتحتويني. فتطرق الأحلام أبواب عقلي الباطن، وتنسج لي عالماً آخر، أرى فيه أمنياتي تتحقق، وأعيش لحظاتٍ كنت أظنها بعيدة المنال.
ثم يأتي الصباح مرةً أخرى، يوقظني بنوره، ويخبرني أن نعمة الله في التجدد عظيمة، وأن كل يوم هو فرصة جديدة للحياة، وأنه سبحانه قادر على أن يحيي القلوب بعد أن أنهكها الحزن، ويعيد لها نبضها من جديد. فأحمده حمدًا كثيرًا، وأشكره شكرًا عظيمًا على كل ما كان وما سيكون.
وأدرك حينها، من إلهام ملهمي، أن قلمي لم يمت، بل كان يستريح، وأنه ما زال قادرًا على أن يكتب، ويبدع، ويخط أجمل الكلمات، وأن ما مررت به لم يكن إلا مرحلة تعلمني الصبر، وتعيد ترتيب روحي من جديد.
فيعود القلم بين أناملي، وتنساب الكلمات بانسيابيةٍ هادئة، ويهدأ البال، وتطمئن النفس، وكأن كل شيء عاد إلى مكانه الصحيح.
فأدعو الله من أعماق قلبي أن يبقي ملهمي رفيق دربي، وألا يحرمني من ذلك النور الذي يوقظ روحي كلما خبت، وأن يديم لكل قلبٍ رفيقًا يحييه، ويمنحه الأمل كلما ضاقت به الحياة.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد