حكاية هيفاء

حكاية هيفاء

26-04-2026 03:06 PM

الفصل الرابع: أم محمد
حين عاد الاسم… وسقط القلب في الفخ
"لقد ثَبَتَت في القلبِ منكِ محبّةٌ
كما ثَبَتَت في الراحتينِ الأصابعُ."
يمضي الوقت بطيئًا…
وهي تحاول جاهدة أن تنسى ما حدث في الصباح.
ألقت بجسدها على الكنبة، كأنها تعاقب نفسها… أو تحاول أن تتحرر من جسدٍ أتعبه جمال تفاصيله، وسمرة لونه التي لم تكن يومًا راضية عنها.
وقعت عيناها على مرآةٍ ملقاة على الطاولة، فالتقطتها بسرعة، وحدّقت في وجهها طويلًا… ثم تمتمت: "لم أكن يومًا أحب سمار وجهي… ولا هذه الملامح الدقيقة."
توقفت لحظة… ثم ابتسمت ابتسامة مشوبة بغرور خفيف: "لكنهم يقولون إنني جميلة… هكذا كان يقول لي محمد."
سكتت… كأن الاسم سرق منها أنفاسها.
أعادت النظر إلى نفسها، هذه المرة كأنها تراها لأول مرة: "لم أكن أعلم أن شفتيّ صغيرتان…" قالتها بخجل، ثم أردفت: "يبدو أن محمد كان يرى فيّ ما لم أره أنا."
تنهّدت، وهمست لنفسها: "أين أهرب منك يا محمد؟"
مرّرت يدها في شعرها القصير، وضحكت بخفة: "يشبه شعر الفنانة مي عبد النبي… هكذا تقول أمي."
ثم أضافت ساخرة: "أكيد أمي تجاملني… الابنة في نظر أمها غزالة، ولو كانت قردة!"
وتابعت ضاحكة: "طبعًا لم أصل إلى مستوى القردة… وبالتأكيد لست غزالة!"
التقطت نظارتها الطبية من على الطاولة بفرح: "يا إلهي… كل الأشياء التي أحبها هنا!
أنا أحبك يا طاولة المفاجآت."
كانت النظارة بإطارٍ رقيق، يكاد لا يُرى…
ابتسمت وهي تتذكر صديقتها العنود:
"معقولة عمرك أربعة وعشرون؟ اللي يشوفك يعطيك ثمانية عشر… تقاسيمك تقاسيم طفلة!"
وفجأة—
قفزت من مكانها:
"يا رب! الساعة الثانية عشرة ظهرًا!
نسيت أجهز الكاميرا… والفستان!"
ثم توقفت، وصححت لنفسها: "مو كسولة… بس…"
نظرت خلسة نحو سلة المهملات داخل غرفتها…
حيث استقرّت باقة الورد.
"ورد محمد… هو اللي شغلني."
نهضت مسرعة إلى غرفتها، تبحث عن فستان يليق بالمناسبة.
وقع نظرها على ذلك الفستان الأصفر…
الذي اشترته يوم قرر محمد أن يأتي لخطبتها.
ابتسمت بمرارة: "ما لبسته في خطبتي… أصلًا ما كانت فيه خطبة!"
ثم خاطبته وكأنه يسمعها: "إذن نلبسك اليوم… في عرس بنت خالتي."
كان الفستان أصفر، يمتد إلى ما تحت الركبة بقليل، تتخلله كسرات طولية، تتناثر بينها نجوم صغيرة تتلألأ… مع إكسسوارات تمتد حتى الكوع.
ضحكت بخفة: "إذا ما لفتُّ انتباه أم محمد… أكيد في عجائز غيرها!"
وضعت الفستان جانبًا، وبدأت تفكر في تسريحة تناسب شعرها القصير…
ثم رفعت يدها بحسم:
"نعم… التسريحة اللولبية!"
استرخت على سريرها، ممسكة بالكاميرا:
"أحاول أشغل وقتي بالتصوير… تلك الهواية التي سرقت كل شيء مني."
لكن الذاكرة… كانت أقوى.
"لا يزال خيال محمد يزورني… في كل لحظة."
أغمضت عينيها: "كيف أنسى من كان لي الدنيا؟
الدنيا بدونه… لا شيء."
تنهدت: "هذا اليوم لم يكن عاديًا… بدأ بهدية أزعجتني أكثر مما أسعدتني."
توقفت…
"لم يكتب اسمه على الورد… لكني شعرت به.
حتى وأنا بعيدة عنه… أشعر به."
همست: "يا إلهي… لا زلت أحبه."
وبلا وعي، بدأت تبحث عن اسمه…
لكنها توقفت فجأة.
"لا… لم يكن الفارس الذي حلمت به."
اشتد صوتها: "لقد تركني… تركني أواجه أمواج الحب وحدي."
ثم أغلقت هاتفها بسرعة: "لن أضعف… انتهى زمن الضعف."
همست بصوتٍ مكسور: "محمد… ربما هذه آخر مرة أنطق اسمك فيها."
سكتت…
لكن القدر… لم يسكت.
حين عاد الاسم… وسقط القلب في الفخ
لم يكن الاسم عابرًا…
كان شرارة.
وقفت ببطء… كأن الأرض لم تعد ثابتة تحت قدميها.
"أم محمد…"
تردد الاسم داخلها، كأنه يفتح أبوابًا أُغلقت بالقوة… لا بالشفاء.
اقتربت من المرآة مرة أخرى…
مرّت صورٌ خاطفة:
ضحكته… صوته… وعوده… ثم غيابه.
شدّت على حافة الطاولة حتى ابيضّت أصابعها: "لن أكون تلك الفتاة الضعيفة… ليس اليوم."
ارتدت فستانها الأصفر… كأنها ترتدي درعًا.
صفّفت شعرها بالتسريحة اللولبية، وأضافت عصابة الرأس.
كل تفصيلة كانت تقول:
أنا بخير… أو هكذا يجب أن أبدو.
رفعت الكاميرا، وحدّقت في عدستها: "إن سقطتُ… التقطي الحقيقة، لا المظاهر."
رنّ الهاتف—"مزون":
"وينك؟ تأخرتي!"
"بالطريق."
أغلقت الهاتف…
وتوقفت عند الباب.
لحظة فاصلة.
"إن كان لا بد من المواجهة… فلتكن."
قاعة العرس كانت تضج بالحياة:
أضواء… زغاريد… عطور…
كل شيء طبيعي
إلا قلبها.
دخلت بخطوات محسوبة.
ثم… رأتها.
أم محمد.
التقت الأعين.
ثانية واحدة…
لكنها كانت كافية لتفتح كل الجروح.
"أنتِ هيفاء… أليس كذلك؟"
"نعم."
"سمعت عنكِ كثيرًا."
"وأنا أيضًا."
ثم جاءت الضربة:
"محمد موجود."
سقطت الكلمة في قلبها… كحجر.
استدارت ببطء…
وهناك—بين الزحام—
كان يقف.
ينظر إليها.
لم يتغير…
أم أنها هي التي عادت كما كانت، لحظة رأته؟
تسارعت أنفاسها.
اختفى كل شيء.
خطا خطوة نحوها…
وتجمّدت هي في مكانها.
كأن القدر قرر أخيرًا أن يجمعهما
لا ليصلح ما كُسر…
بل ليكشف الحقيقة كاملة.
يتبع…


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد