التواءات اولمرت

mainThumb

27-02-2008 12:00 AM

اولمرت يذكرنا اكثر فاكثر في سياق مفاوضاته مع الفلسطينيين بالثعلب الذي حاول التحايل على الجدار المحيط بالكرم ، اذ جوع نفسه حتى يتمكن من التسلل للكرم بعد أن يصبح هزيلا ، وعندما نجح في مسعاه ودخل الكرم وملأ كرشته بالاعناب لم يتمكن من الخروج بسبب تخمته وضعفه ، ورئيس الحكومة يركز بالاساس على التخطيط للحفاظ على ائتلافه حتى يتمكن من البقاء في منصبه والوصول للهدف الذي وضعه لنفسه - التوصل الى تسوية مع ابو مازن - ونتيجة لذلك فانه يشل قدرته على التقدم نحو هدفه المعلن ، فعندما يستبعد التفاوض حول التسوية في القدس تصبح لقاءاته مع ابو مازن اشبه برحله الى اللامكان.

للوهلة الاولى يتوجب التعامل بتسامح مع خاصية القفز اللفظية التي يتصف بها رئيس الوزراء ، مرة يتحدث عن مستقبل القدس واخرى يقول لنا انها ضمن جدول الاعمال وثم يقول انه سيبحث فيها فقط بعد التفاهم حول القضايا الخلافية الاخرى.

إلا أن هذا الافتراض المتسامح ليس ملائما في ظروف الساحة الحالية: اولمرت ليس قائدا بمقام مناحيم بيغن ومكانته ، فبيغن كان مستعدا للتوجه الى كامب ديفيد تاركا الانطباع في البلاد بأنه سيبقى في سيناء حتى آخر ايامه ولكنه عاد من هناك متنازلا عن سيناء ، واولمرت لا يشبه رابين ايضا: الذي وقف بشجاعة من وراء الخروج عن موقفه الاساسي الذي كان يرفض التفاوض مع منظمة التحرير قطعيا وعمل على تطبيق اتفاقيات اوسلو ، وهو ليس شبيها بشارون انما مجبول من طينة اخرى: فهو سياسي عادي يفتقد للكاريزماتية المؤثره والقدره على جر الجماهير من ورائه الى طريق جديد.

لذلك عندما يتلوى رئيس الوزراء بلسانه حتى يطمئن الجمهورين اللذان يصغيان لما سيقوله - شاس من جهة وابو مازن من جهة اخرى - يبدو كمهرج يوشك على السقوط عن الحبل الرفيع اكثر منه سياسيا فطنا حاذقا يعرف طريقه ، وعندما يصرح اولمرت بأننا لا نتحدث مع الفلسطينيين حول القدس اليوم ، يترك انطباعا بأنه ضعيف ، والجمهور الذي يصغي له يسأل نفسه: وماذا سيحدث غدا ، هل سيتواصل الصمت حول مستقبل المدينة؟.

التساؤل البديهي يطرح نفسه: الحاجة الى التسوية حول مكانة القدس هي نواة لب الصراع الذي يتوجب البحث فيه ، فكيف يمكن اذا التملص من هذا الأمر؟.

الطبيعة الاستعراضية للمفاوضات حيث تتلائم هذه المسألة مع الواقع السياسي في اسرائيل ومع نبض الجمهور تبرهن على هذا النهج: فالاستطلاعات تدل على ان تأييد اغلبية الجمهور في هذا الوقت هو لليكود وباقي احزاب اليمين ، وهذا ايضا المزاج السائد في الكنيست ، لذلك حكم على العملية السياسية التي يقودها اولمرت بأن تتلاشي من تلقاء نفسها ، ومقابل ذلك كان هناك اعتقاد له بأن لدى الشعبيين خطة سلمية مبلورة تبسط امامهما مستقبلا واعدا وكان ممكنا ان يتبناها الجانبان من البداية رغم اختلافهما حولها.

في اساس هذا الافتراض يتوجب ان يكون هناك اصرار من القادة على الاقدام على المخاطرة والتحدث مع العدو وقطع الانسجة الاكثر حساسية للصراع وطلب ثقة الشعب بمواقفهم ، فما الذي نريد قوله؟ القادة الذين يتحدثون باستقامة مع شعبهم ويشركونه في جوهر المفاوضات ولا يخفون عنه التنازلات الضرورية هم القادة الحقيقيون ، ولكن الواقع الاسرائيلي الحالي ليس على هذا النحو: اولمرت وشركاؤه في الحكم يعتقدون لسبب ما ان السلام يصنع بالالتواءات والحيل.