خطايا ثقافة السلام واخواتها!

mainThumb

16-01-2008 12:00 AM

من يفهم هذا الذي يحدث الان?..

قد اجازف بالقول: لا احد.. الا من يتعلق بحبال الوهم, او ادمن ما تجيد به التصريحات والبيانات الرسمية من استعراض لم يسبق له مثيل من تعبيرات مستهلكة عن نفس المواقف الثابتة والمعروفة. من يفهم ما يجري الان, وعلى هذا النحو الذي يثير القلق والدهشة والاحباط وتختلط معه كتائب من علامات الاستفهام والتعجب.

كل ما ارجوه ان يكون هناك من يستطيع ان يفهم.. وان يكون ما يفهمه مقنعا, وان يكون الاقتناع قائما على منطق الاشياء وحقائقها.

وبامانة فانني اعتقد ان الغموض واللامعقول جعل كل ما جرى ويجري من الاحداث خارج دائرة الاقتناع, ويحار مشاهدوه في تفسيره.. واللافت للنظر ان غير المفهوم وغير المقبول »هذا« اصبح مادة للحوار والافتاء في فقه السياسة العربية. واتصور ان مثل هذا الذي يحدث اما ان يكون مخططا واضحا ومدروسا - ولمصلحة اسرائـيل طبعا - وقد عجزنا عن متابعة خطواته او ربما ساهمنا من دون قصد وبحسن النيات كالعادة في مضاعفات اخرى.. واما ان يكون مرده لاخطاء الفكر والفعل السياسي العربي الذي شق عليه تفسير وملاحقة اتجاهات هذه التحركات.. واما ان يكون ما حدث ويحدث راجعا لمجموعة اسباب طارئة هبت او طفحت فجأة من دون توقعات ولم تتطرق اليها الاحتمالات في اسوأ الفروض.

وقد يقال ان ما يحدث يخضع لمجموعة اسباب من زمن العجائب او زمن اللامعقول خاصة وان اللامعقول كثير هذه الايام. وان من العجائب ما جعل اسهل الاشياء في الوقت الراهن ان يتحدث المتحدثون عن وعد الرئيس الامريكي جورج بوش الثاني باقامة دولة فلسطينية مستقلة مع نهاية العام الحالي 2008 وان ارخص الاشياء بعد اسهلها ان ينتظر البعض زيارة الرئيس الامريكي للمنطقة لتحريك عملية التسوية بين الفلسطينيين والاسرائيليين, وتنشيط الرؤية التي خرجت من مباحثات اجتماع »انابوليس« وطرحت الخطوات باتجاه اقامة دولة فلسطينية.

ونستطيع من هنا الى يوم القيامة ان نحلم بالانجاز الامريكي, او نبحث عن لمسة ضوء تبعث املا.

والشاهد ان مباحثات انابوليس كانت احدى المحاولات المستمرة للتأقلم مع متطلبات السلام بالمفهوم الاسرائيلي, وبزعم المساهمة في عودة الروح الى عملية السلام. ومن هذه الزاوية فقد تصور البعض بالخطأ ان اسرائيل تسعى حاليا الى التوصل الى تفهم مع الادارة الامريكية, من شأنه ان يضمن المصالح الامنية لاسرائيل في اتفاق نهائي مستقبلي مع الفلسطينيين يسمح باقامة الدولة الفلسطينية, وباعتبار ان امن اسرائيل يأتي قبل اقامة دولة فلسطينية.

وحتى هذه اللحظة لا اعتقد ان احدا يريد ان يعرف, او ان يقترب من تفاصيل التصور الاسرائيلي لمفهوم الامن, او الضمانات المطلوبة حول »ارض اسرائيل« او حدود الرؤية لمفهوم »الامن مقابل السلام« وليس »الارض مقابل السلام« والحاصل ان التصور الاسرائيلي للامن قد سبق استكشاف افاقه, ودراسة دروبه, ورسخ خريطة كاملة له.

وهو ما يجرى تنفيذه على الارض من مشروعات »المستعمرات« الاستيطانية والتي صادرت اكثر من 38% من مساحة الضفة الغربية المحتلة والتي اصبحت الان مستوطنات وقواعد عسكرية ومناطق عسكرية مغلقة (48 قاعدة عسكرية في الضفة بما في ذلك القدس الشرقية تسيطر على حوالي 1919 هكتار من الارض التي يحظر على الفلسطينيين دخولها) و14 قاعدة عسكرية في وادي الاردن.

ويرسم تقرير »مايكل وليمز«- المنسق الخاص لعملية السلام بمنطقة الشرق الاوسط- صورة المشهد الاستيطاني داخل الضفة الغربية المقيدة بنحو 523 حاجزا تحد من حركة الفلسطينيين والذين يواجهون حصار الجدار العازل الذي يتم بناؤه حاليا (525 كيلو مترا من 721 كيلو مترا) وثلاث اربع مسار الجدار يقع داخل الضفة الغربية وليس على مسار الخط الاخضر, وعند اكتمال بنائه فان حوالي 0.2 من اراضي الضفة الغربية ستعزل كلية, وترتبط فعليا باسرائيل. وداخل المشهد الاستيطاني 450 ألف مستوطن اسرائيلي يعيشون الآن في 149 مستوطنة وتم انشاء تسع مناطق صناعية يمتلكها اسرائيليون يعيشون بالقرب من المستوطنات في الضفة الغربية بما في ذلك القدس الشرقية, وان حوالي 57% من اجمالي عدد المستوطنين الاسرائيليين في الضفة الغربية يعيشون داخل 10 كيلو مترات من المدينة القديمة للقدس, وكثيرا منهم في داخل ما اعلنت اسرائيل عنه حدود بلدية القدس ومن ثم فان هذا الاجراء زاد من عزلة القدس الشرقية التي هي موطن حوالي 250 ألف فلسطيني عن باقي الضفة الغربية.. وحوالي 8 في المئة من اجمالي المستوطنين الاسرائيليين يعيشون في 25 كيلو مترا في محيط القدس في محافظات رام الله وبيت لحم.

والذين يتجاهلون التصور الاسرائيلي للامن, او الذين لا يقرأون مفردات المفهوم الاسرائيلي »للامن مقابل السلام« قد تصوروا ان اسرائيل تخلت عن التزامها في »أنابوليس« وطرحت مناقصة لبناء مستوطنات في القدس الشرقية. وقد تصوروا ايضا ان التوسع الاسرائيلي الصامت في المستوطنات لا يتفق مع اعتراف رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود أولمرت بان اسرائيل قد لا تجد خيارا امامها سوى الموافقة على تقسيم القدس في اتفاق سلام يجري التوصل اليه في المستقبل مع الفلسطينيين وان اصدقاء اسرائيل يرون ان مستقبلها هو في بقائها ضمن حدود 1967 مع تقاسم القدس. والواضح انهم لم يقتربوا من الشطر الثاني من اعترافات اولمرت بانه يجب التوصل الى تسوية حول بعض اجزاء ارض اسرائيل بالحدود التوراتية لحماية الطابع اليهودي والديمقراطي للدولة وان اي اتفاق تسوية دائم مع الفلسطينيين يجب ان يعترف بمستعمرة معالي ادوميم في الضفة الغربية جزءا لا يتجزأ من القدس ومن اسرائيل.

ويبدو اننا اكتشفنا مؤخرا ان الوعود والكلمات لم تعد تكفي وان موضوع الاستيطان لا يزال هو الصخرة التي تتكسر عليها كل ما يتعلق بمباحثات انابوليس- كما يقول امين عام جامعة الدول العربية عمرو موسى - وان مسألة الاستيطان تغير الوضع يوميا وتجعل اي تفاوض »هزليا« وباعتباره تفاوضا على خريطة تتغير على الارض بشكل شبه اسبوعي.

وتأسيسا على ما سبق..

هل تبقى ما يمكن ان يقال بشأن هذه المهزلة التي نعيش فصولها الآن. لا اعتقد.. فالحقيقة عارية تماما امامنا ونحاول ان نسترها بأية كلمات, اية بيانات. المهم ان نداري عجزنا وان نحجب التساؤلات الحائرة.

- اي سلام تستطيع الامة العربية ان تحصل عليه.

- واية مواقف عربية يمكن تحديدها في الوقت الضائع.

- وأي قدس شريف.. واية مدينة مقدسة نطالب باسترداد البقية الباقية منها.

واخيرا.. ما الذي اردنا اثباته لانفسنا او لغيرنا حين سجلنا سابقة غير مشهودة في تاريخ الامم والشعوب بتحديد خيارات وبدائل تحركاتنا في اطار الخيار الوحيد والاوحد »التسوية السلمية« وليس امامنا الا المفاوضات ومزيد من المفاوضات, فإذا لم تنجح محاولة رحنا بعدها نحاول مرة ثانية وثالثة.. وهكذا الى الابد..

وقد يكون صحيحا ان الحيرة والارتباك خلقا موقفا عربيا هو موقف التردد او العجز عن تحديد حركة الاتجاهات, ولكن السبب الرئيسي وراء كل هذا يرجع الى الخيارات المفقودة على هامش الخيار الوحيد والاوحد وهو »خيار السلام«.

واعتقد ان من خطايا ثقافة السلام اننا سحبنا عن اسرائيل- وبقصد النوايا الطيبة الحسنة - عقيدة تكوينها وطبيعتها كدولة دينية صرفة تقوم على تجميع اليهود في »جيتو« سياسي واحد, وان اساسها التعصب الديني, وان اليهودية بالمفهوم السياسي الاسرائيلي ليست ديانة فقط ولكنها قومية لامة يهودية. وكان بالضرورة ان تتصل رؤيتنا هذه, او رغبتنا في تجريد اسرائيل من العقيدة الدينية واساطيرها, ان شطبنا من دائرة الوعي والحقائق الاولية البحتة في قيام ووجود اسرائيل - حسب توصيف عالمنا الجليل الراحل الدكتور جمال حمدان - بأن اسرائيل »كدولة« ظاهرة استعمارية صرفة.. وان اسرائيل استعمار طائفي بحت والدولة دولة دينية صرفة.. وان اسرائيل استعمار عنصري مطلق.. واستعمار توسعي اساسا.. واستعمار سكني في الدرجة الاولى.. وهي تجسيم للاستعمار المتعدد الاغراض, فهي تمثل استعمارا مثلث الابعاد, فعدا الجانب السكني. فانها تمثل ايضا استعمارا استراتيجيا, واستعمارا اقتصاديا, فوجودها غير الشرعي رهن من البداية الى النهاية بالقوة العسكرية, وبكونها ترسانة وقاعدة وثكنة مسلحة, وان امن اسرائيل هو مشكلتها المحورية.

والان.. هل قلنا كل شيء. لا.. لم نقل شيئا.. وان ما يجب ان يقال اننا شاركنا في صنع هذا التوحش الاسرائيلي, وبنفس المقياس رحنا نعظم من حجم وقدرات الكيان الاسرائيلي, وقبل كل هذا ساهمنا في تجميل صورته وبأدق التفصيلات وفقا لاحكام ثقافة السلام وضروراتها, واسقطنا من حساباتنا حقائق وثوابت.. واوهمنا انفسنا اننا نتعامل مع »اسرائيل« اخرى جديدة تبرأت من الحركة الصهيونية واساطيرها واحلامها.

وهكذا.. كانت نزعات الوهم قادرة على ترحيل الحقائق الى هامش الوعي.. وهكذا كان التبسيط المخل للصراع العربي الاسرائيلي. وصحيح - ما يقال - ان الذين لا يقرأون التاريخ, او الذين لا يعرفون ما حدث قبل ان يولدوا, والذين يتساهلون بالرضا والقبول مع تزييف الحقائق او السطوة على سطور التاريخ, محكوم عليهم ان يظلوا اطفالا طوال عمرهم. والاطفال لا يصنعون التاريخ ولا يضيفون شيئا الى مسار احداثه, ولا يشاركون في صياغة مستقبلهم, وتظل خطيئتهم قائمة بانهم لا يدركون عن عجز ما حدث بفعل الماضي وما يحدث بفعل الحاضر الراهن. وبمقدار اليأس في مقولة الفيلسوف العظيم »افلاطون« حيث تنبه الى مخاطر المستقبل: »انتم ايها اليونانيون ستبقون دائما اطفالا«..

ومن هنا تتداعى الاخطاء.