غزة تستعصي على الحل

mainThumb

25-01-2008 12:00 AM

إذن ما العمل مع غزة؟ في بداية الحرب العالمية الثانية شكلت الغواصات الالمانية التهديد الاكبر على بريطانيا عندما دمرت قوافل التوريد اليها من الولايات المتحدة ، وذات يوم وقف في وزارة البحرية البريطانية بروفيسور محترم من اكسفورد وبشر الادميراليين بانه يعرف ما الذي ينبغي عمله ضد الغواصات الالمانية: "عليكم أن تخلقوا فراغا في المنطقة التي تكمن فيها الغواصات بالقوافل ، وعندها تنكشف وتتمكنون من ابادتها" ، "فكرة ممتازة" ، قال له الادميراليون المتفاجئون ، "ولكن كيف يمكن عمل ذلك؟" ، "هذه مشكلتكم ،"، اجابهم البروفيسور.

نحن لا ينقصنا "بروفيسورات" كأولئك ، احدهم يقول باحتلال غزة ، تسليمها لعباس ومرابطة قوة عسكرية دولية على حدودها مع مصر ، وآخر يقول الاحتلال ، الابادة ، والبقاء هناك لزمن طويل لقمع الارهاب ، مثلما في الضفة منذ حملة "السور الواقي" في العام 2002 ، وثالث يقول التفاوض مع حماس على وقف نار مؤقت ، ورابع يقول بهدم البنى التحتية الاقتصادية في غزة وتصفية حماس ، وخامس يقول انه مع غزة يجب "الحديث بلطافة ، اعطاء أمل ، افق سياسي حقيقي ، وفقط عدم معاقبة سكانها المساكين" ، وسادس يقول - بالنمط الدائم للمثقفين ، ان كل ما تفعله اسرائيل او ستفعله سيكون غبيا وعديم التفكر الاستراتيجي الواسع.

وما الذي تقوله وتفعله حقا حكومة اسرائيل؟ اولمرت وباراك على حد سواء عبرا عن ذلك الاسبوع الماضي: سنعزز ما نفعله حتى الان من أعمال احباط متنوعة ضد منفذي الارهاب بشكل متواصل ومتوازن ، وتوطيد الحصار الاقتصادي - لجباية الثمن الاعلى الممكن منهم وردعهم.

يخيل أن هذه التصريحات تعطي تعبيرا جيدا عن امتناع قيادة الدولة عن تنفيذ حملة عسكرية واسعة النطاق داخل غزة في اعقاب المعضلات التي تقف امامه ، وكنت سألخصها بأربعة مجالات: المجال العسكري: وهنا تقف مسألة الخسائر التي يتكبدها الجيش الاسرائيلي ، ولكن وراء ذلك خوف من انه هل سيقوم الجيش بمهمته ، "ويوفر البضاعة" ، خلافا لما فعله في حرب لبنان الثانية؟ واذا اعطينا الجيش الاسرائيلي وقتا للتدرب والاستعداد ، أفلا تستغل حماس هذا الزمن ايضا ؟ واذا لم نستخدم قوة الجيش الاسرائيلي ، ماذا سيكون عن الردع الاسرائيلي على المستوى العملياتي؟.

مجال المنفعة: ماذا سنفعل بعد أن ننجح بالسيطرة على القطاع؟ من سيحرص على مليون ونصف مواطن فلسطيني؟ نحن؟ الامم المتحدة؟ هل سننجح في القطاع مثلما نجحنا في الضفة ، حيث كانت في نهاية المطاف لا تزال توجد "سلطة فلسطينية" بقيادة عرفات أعفتنا من الحرص على الخبز والماء للمواطنين؟ وبشكل عام ، ألن يبدأ "العالم" باتهامنا باعادة "احتلال" ، وذبح أبرياء؟.

المجال السياسي: من جانب ما سيتهموننا بافشال الخطوة التي بدأت في أنابوليس ، واضعاف المحافل "المعتدلة" ، وعلى رأسها ابو مازن ، ومن جهة اخرى ، هناك زعم بأن المسيرة السياسية هي خداع خيالي ليس له حق الوجود أمام وابل القسام ، وأن الدول العربية "المعتدلة" ، تلعب لعبة بشعة: لا تتناول الارهاب الحماسي ، وتشجب اسرائيل على كل رد فعل.

المجال العملي: واضح للحكومة أنه لا يمكنها أن تترك 200 الف من مواطني الدولة امام نار القسام ، ومن جهة اخرى فان معظم شعب اسرائيل يواصل حياته العادية والاقتصاد يزدهر ، افلا يكون استمرار الوضع الراهن أفضل من عدم اليقين الشديد الكامن بالتورط في المستنقع الغزي؟ .

وخلافا لـ "البروفيسورات" فان للقيادة مسؤولية ، ولب المشكلة هو عندما يوصل صاروخ القسام الحظ التعس للضحايا ، وحين يخفي الدم في العيون كل مجالات التفكير الصائب.