الملك عبدالله بن عبدالعزيز والبابا .. جسور لا جدران

mainThumb

06-11-2007 12:00 AM

ربما نصيب الحقيقة إذا قلنا إن لقاء اليوم بين الملك عبدالله بن عبدالعزيز والبابا بنديكتوس السادس عشر هو لقاء القمة الأول من نوعه في تاريخ العلاقات الغربية مع العالم المشرقي الذي يطلق عليه اختزالاً «العالم الإسلامي» وفيما ينسحب على الغرب الوصف المسيحي، وهو وصف إذا كان يستجيب للماضي فانه لا يتسق وحقائق الحاضر بعد أن وُجد المسلمون في الغرب ولم يفرغ الشرق من مسيحييه يوماً.
هي المرة الأولى التي يلتقي فيها ملك المملكة العربية السعودية مهد الإسلام ومهبط رسالته مع بابا روما خليفة القديس بطرس الرسول الممثل لأكبر كنيسة مسيحية تلك التي وصفها المؤرخ الأميركي وويل ديورانت في موسوعته «قصة الحضارة» بأنها أعرق مؤسسة بشرية عرفها التاريخ.

اللقاء في حد ذاته دعوة ورسالة، كيف لا والرسالات السماوية كافة كانت لقاء متصلاً بين السماء والأرض عبر الرسل والأنبياء؟

ولعل جولة العاهل السعودي في أوروبا يمكن أن ينظر إليها في سياق الزيارات الديبلوماسية والرسمية بين قادة ورؤساء الأمم والممالك، غير أن اللقاء مع الحبر الأعظم يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن عاهل السعودية إنما ينشد ما هو أبعد بكثير من الشكليات والرسميات ويسعى عبر لقاء القمة هذا الى إقامة الجسور للتعايش ولتوثيق دعاوى الاتفاق عوضاً عن تشييد الجدران ونشر روح الافتراق.

يأتي لقاء الملك والبابا في أجواء ملبدة على الصعيد العالمي وفي أزمنة اشتدت فيها ضبابية الراديكاليات السياسية المتخفية وراء أقنعة والمتعلقة بأهداب الأديان والمنقادة خلف رؤى المتنبئين.

فوراء الأطلسي اختطفت الإدارة الأميركية الحقوق الإلهية وصارت إلى ما يشبه الحكم الثيولوجي في ظل رئيس يعيش دور الرائي في العهد القديم، ومن أسف فان رؤياه لم تك أبداً ذات صبغة سلامية أو حملت دعاوى المحبة كما المفترض أن تكون المسيحية التي يردد أقوالها غير مدرك أبعادها، بل هي رؤى قادت العالم إلى صراعات عسكرية وحروب دموية اتسمت من دون إنكار أو تجاهل بصبغة دينية لا مراء فيها، وكان هو ذاته صاحبها عندما أطلق مصطلح «الحرب الصليبية» غداة أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر). والمثير أن الشرق الذي كان ضحية تلك الحروب رفض دائماً استعمال تلك العبارة واستبدلها بـ «حروب الفرنجة» إدراكاً واعترافاً بأن عيسى بن مريم لم يك رجل حرب بل سلام «لا يصيح ولا يخاصم ولا يسمع أحد صوته في الشوارع»، إلا أن نار الفتنة الدينية كانت انطلقت من عقالها في كل الأحوال.

وعلى الجانب الآخر وجد في الشرق والذي طالما حصره المستشرقون الغربيون في قوقعة إسلامية فقط، وكأنهم ينكرون عليه تعايشاً مشتركاً لقرون طويلة بين مسلميه ومسيحييه وحتى يهوده، وجد من اختطف سماحة الإسلام وتسامحه التي عاش في كنفها هؤلاء وأولئك قروناً طويلة، وحتى لو لم تكن أيام التعايش كلها سخاء رخاء، وقدم هذا النفر للعالم صورة مشوهة مبتورة لا علاقة لها للإسلام قديمه وجديده، صورة لقاطعي رؤوس ومفخخي سيارات ورافضي الآخر، صورة للساعين الى تقليد الراديكالية الأخرى القائمة وراء الأطلسي في صراع عقيم إنما يفتح على البشرية أبواب جهنم ولا يبشر بأي أمن للحاضر أو للمستقبل.

في ظل هذه الإشكالية يعرج الضيف السعودي الكبير على الجالس سعيداً على كرسي مار بطرس، في مشهد سيذكره تاريخ الحوار بين أتباع الأديان بحروف من نور، لا سيما انه كان من اليسير على الأول أن يغض الطرف عن اللقاء وفكرته ويكتفي بالبروتوكولات الديبلوماسية في التعامل مع رؤساء الدول، وعلى الثاني أن لا يتطلع إلى الترحيب بالضيف الكريم، غير أن روحاً تجمع بين الاثنين ملؤها السعي المشترك للتغلب على الأحقاد التي يزرعها الرافضون لأن تنعم العلاقة بين الإسلام والمسيحية أو بين الغرب والشرق براحة البال وطمأنينة الحال وبمودة تقود إلى خدمة الإنسان ورفعة شأنه أياً كان جسمه أو رسمه، دينه أو اسمه.

كانت المملكة العربية السعودية من أوائل الدول الخليجية التي ساهمت في مسيرة الحوار منذ أن التقى وفد رفيع المستوى في عهد الملك فيصل بن عبدالعزيز مع البابا بولس السادس، غير أن لقاء اليوم الثلثاء وفي ظل الأجواء العالمية المتوترة دينياً يشير إلى ما هو أكثر من مجرد لقاء أفراد وإن كانوا ملوكاً وباباوات، فمن العجب انه على رغم ما انتاب مسيرة الحوار من عقبات وعثرات في العامين المنصرمين، إلا أن نهضة من الكبوة لا ينكرها احد تبلورت في الأيام القليلة المنصرمة وغداة مبادرة عدد كبير (138) من علماء المسلمين بتوجيه رسالة مفتوحة إلى قيادات مسيحية كبرى في الغرب يدعون فيها إلى مزيد من التفاهم بين الإسلام والمسيحية، وقد ذهبت الرسالة إلى أن الإسلام في العالم يعتمد على إقامة حوار أفضل بين المسلمين والمسيحيين، كما أكد العلماء المسلمون أيضاً على مواطن التشابه بين الديانتين، مستشهدين بآيات من القران تحض المسلمين على معاملة اليهود والمسيحيين بمودة.

هو إذاً خطاب مغاير لدعوات القتل وسفك الدماء التي يمضي في طريقها نفر ممن وصفهم الملك عبدالله من قبل بأنهم الفئة الضالة، خطاب يؤكد أن المسيحيين والمسلمين يعبدون الله وحده ويؤكدون أن هذه ليست أول محاولة من جانب قيادات إسلامية أو مسيحية للتأكيد على القيم والتقاليد المشتركة بين الديانتين.


البابا بنديكتوس السادس عشر
ونسأل: كيف وجدت رسالة العلماء المسلمين التي سبقت لقاء القمة طريقها عند أهل الفاتيكان؟

في التاسع والعشرين من الشهر الماضي كان أساتذة المعهد الحبري للدراسات العربية والإسلامية في روما يعلقون على الرسالة، وضمن كلام كثير امتدح هؤلاء اتجاه أصحاب الرسالة، فكما جاء الإسلام دعوة لكل الإنسانية من دون استثناء، فكذا يصف رجال المعهد الحبري البابوي الرسالة - الدعوة بأنها لا تتستر وراء ادعاء دفاعي عقيم ينطلق من مبدأ الاختزال في جماعة بعينها، لكن العلماء المسلمين يضعون أنفسهم كشركاء في البشرية جمعاء، يعرضون عليها طريقتهم في فهم المبادئ والأسس التي تعترف بها الجماعات الأخرى من اجل الحفاظ عليها بسلام عام وفاعل.

ويرى أهل روما من كاثوليك العصر وأساتذته أن ما جاء في دعوة العلماء المسلمين من قبول جذري بالتوحيد هو إحدى التعابير الأصيلة عن المحبة التي لا تتوجب على الإنسان نحو الله وحده، وان محبة الله لا تنفصل عن محبة القريب.

وإذا كانت الرسالة - الدعوة لا تلغي الاختلافات في وجهات النظر الكريستولوجية («الاعتقاد في شخص السيد المسيح وطبيعته») فمن ناحية أخرى لا تتغاضى عن مشكلة الحرية الدينية، فيقر كاتبو الرسالة مع القرآن الكريم انه «لا أكراه في الدين»، ويعتبرون ذلك نقطة أساسية في مسيرة الحوار والجوار.

وفي الحق أن موقف العلماء المسلمين الايجابي في تلك الدعوة إنما كان دافعاً للمتابعة الملتزمة أخلاقياً بالمضي نحو بناء الجسور مع العالم المشرقي وذلك لئلا يكون اختلاف الالسنة والألوان، أي اختلاف الثقافات العميقة، مدعاة للشك أو الاحتقار أو الاختلاف، كما حدث غالباً في علاقات الطرفين لا في الماضي البعيد فقط، بل في حاضر أيامنا هذه، وهذا الموقف الإيجابي ينبغي قبوله كعلامة للعالمين «إن في ذلك لآية للعالمين» أي كرحمة من لدن رب الجميع.

والشاهد أن أحداً لا ينتظر من لقاء البابا والملك التوصل إلى اتفاقيات أو التوقيع على معاهدات ووثائق، فاللقاء في ذاته تدعيم لمسيرة الإنسانية المشتركة في التلاقي والسير على جسر المودة المتبادلة التي تؤسس وتوصل عبر التطورات الايجابية الأخيرة الى مرحلة النهوض من كبوة الاختلافات والتفسيرات التي نحا إليها بعض أصحاب النظر المحدود والأفكار القاصرة.

لقاء القمة ربما يعيد للأذهان ملمحاً ولو بعيداً إلى زمن زينة الدينا «قرطبة» عندما استطاعت أن تجمع في بوتقتها الحضارية كاثوليكاً ويهوداً ومسلمين في إناء إنساني متحضر خلاق تبطل معه دعاوى هنتنغتون وأراجيف فرنسيس فوكاياما، لقاء يعيد التأكيد على أن التسامح الذي أضحى عملة نادرة في زمن الأصوليات المتطرفة يمكن له أن يعود فيجد مكانه بين بني البشر وفي المجتمعات الحديثة، لا سيما إذا توافر لدى الشعوب وقادتها وعي بأهمية هذه الثقافة وضرورة استمرارها ومنطلقاتها الرئيسية والتي يأتي اللقاء والحوار كلبنتين أساسيتين وركيزتين لا غنى لها عنهما.

هدف لقاء البابا والملك ليس محاولة توفيقية SYNCRETISM بين الديانتين المسيحية والإسلامية ولا مساومة إيمانية RELATIVISM على بعض الحقائق الروحية، بل اللقاء لإبراز ما لدى صاحبيه من قناعة في شأن حقائق إيمان المتحاورين على مستوى التعايش المتجسد أكثر منه على المستوى النظري، فالحوار الحقيقي يتحول مناسبة ليتعمق المتحاورون في معنى إيمانهم.

هو لقاء يقوم على فكرة البناء والسير معاً جهة مدينة الله التي رآها اوغسطينوس وتخيلها الفارابي في المدينة الفاضلة، تلك المدينة القائمة على العدالة الاجتماعية والمحبة والتسامح كما تتجلى في أبجديات المسيحية وبديهيات الإسلام، وليس مدينة قيصر العصر الحديث ومن لف لفه القائمة على القوة وفكرة الحروب الاستباقية وإطلاق التعابير الدوغمائية المنحولة والمنفلتة.

تحية من القلب للعاهل السعودي الشجاع على مبادرته وزيارته التاريخية والتي ولا شك أنه لن يسلم معها من تقوّلات رافضي نهج الحوار، وتقدير كثير للبابا الأول في تاريخ باباوات روما الذي صلى داخل مسجد في اسطنبول ذات نهار، ولعلها نقطة محورية في تاريخ المسيرة الحوارية بين الشرق والغرب والإسلام والمسيحية على نحو خاص.