قبل أكثر من سنتين ، إبّان الحملة الإسرائيلية على قطاع غزّة .. كنت في طريقي لزيارة أحد الأصدقاء برفقة ثُلّةٍ من الشّباب لنبارك له بالزّواج . وبعد أن رحّب بنا وأسمَعَنا الكلمة المُعتادة في مثل هذه المناسبات " عقبالكو يا شباب ! " .. بدأنا جلستنا ببعض النّكات – خصوصا النّكات الخاصة بالمتزوّجين والحياة التي يعيشونها في ظل الأوضاع الاقتصادية الفاخرة التي نشهدها! - وبفناجين من القهوة كافتتاحيـة لسهرة طويلة.
وبينما كنّـا نتجوّل بين المواضيع والأحداث الفنيّة والثقافيـة والسياسية المعاصـرة ، مررنا بالقضيّة الفلسطينية وبما كان يجري في القِطاع المُحاصَر آنذاك . وتعددت الآراء ، واكتست الأجواء بمختلف الشّحنات – السلبية والإيجابية – تجاه القضيّة . وعندما اقتربنا من الخِتام ، مرّت ببالي مجموعة من الصّور واللقطات التي كانت الشّاشات الإخبارية المختلفة قد بثّتها عن مناظر القتل والإرهاب التي قام بها " أبناء عمومتنا " حسب تعبير أحد الشّباب معنا ، بحقّ الأطفال والنّساء .. حينها قلت بشيء من "السّرَحان" : ( والله يا جماعة ، يا ريت لو بنقدر نساعد أهلنا هناك بأي شيء ! يعني لو نتخيّل حالنا مكانهم شويّة ، عن جدّ الله يعينهم ) .
وجاء تعليق – مُضحك – من أحد الأصدقاء : " يا زلمة احنا شو دخلنا ، الحمد لله على راحة البال ! شو بدنا بهالسوالِف ! " أذكر أنني أتبعت تعليقه بضحكة مُتفاجِئـة ، وكلّي قناعةٌ أنه – بالتّأكيـد - أحبّ أن يختتِم المجلِسَ بـ "نُكتة" أخيرة ! وقُلتُ في نفسي : " أكيد قاعد بِمزح " !
****************
ليلةَ أمس .. كنت في زيارة لأحد الأقرباء كان قد خرج للتوّ من المشفى بعد أن خضع لعملية جراحية تكلّلت بالنجاح . وبِما أنَّ فصل الشّتاء قد حطّ رِحالهُ عِندَنا منذ مدّة .. فقد أخذَنا الحديث عنه طوال الزّيارة ، وكيف أن الله عزّ وجلّ يرحم عباده على ظُلمهم ، وكيف يرُدُّ الناسُ إحسان الكريم إليهم بالإساءة لإخوانهم البَشَر .
فترى "أصحاب السّيّارات" – وهذه ظاهرة منتشرة بعُمق في مجتمعنـا - يسيرون بسرعات عالية في الطّرقات المغطّاة بماء المطر ، ويؤذون المارّين و " يحمّمونهم " بالماء ولا يبالون ، وكأن "دُشـَّا" لم يكُن ! ثُمَّ أنهَينـا الحديث بمُرورٍ سريع على أحوال أهلنا في سوريّا . وقبل أن أغادر ، صافحتُه وقلت له العبارة الخالدة " دير بالك ع حالك " .
وردّ هو بدوره : " وإنتَ دير بالك من السّيّارات عشان ما يرَشّقُوك بالميّ ! " . وضحكنا ! كان الوقت متأخرا قليلا ، وكان النّاس قد خرجوا من المسجِد بعد أداء صلاة العِشاء منذ ساعة تقريبـا . قطعتُ نِصف الطريق إلى البيت .. وأخذتُ بنصيحة قريبي ، فلم يغدُر بي أحدٌ من السائقين ! في الطريق وعلى الجهة الأخرى من الشّارع ، كانت امرأة كبيرة في السّن وابنتها الشّابّة تمشيان بحذر وهدوء ، وكانت البنتُ – للأسف – مُصابةً بلعنةِ الجمال ! وبعد فترة قصيرة ، ظهرَت سيّارة محمّلة بمجموعة من الشّباب " الطّنطات " يستمعون بنهَم إلى موسيقى صاخبة للغاية وكلمات إنجليزية لا يفقهون منها شيئـا كعادة معظم الشّباب الفارغين في بلادنـا ! وما إن اقتربوا من الفتاة وأمها ، بدؤوا بـ " التّزمير " وإطلاق التعليقات السّريعة على مسامع البنت وأمها وجميع المارّة ، والبنت مخفِضةٌ رأسها وملتصقة بأمها التي لا تكاد ترى خطواتها خلال المستنقعات المائية على الأرصفة والشّوارع .. وازداد التّزمير وازدادت التعليقات وضوحـا ، وبدأت الأم بـ"الصّياح" على هذا الشباب السّاقط ، وبدأتُ أنا أردّدُ معها " لا حول ولا قوّة إلّا بالله " ، حتّى قرّر الشباب إنهاء مشهدهِم العابِر وأسرعو بسيّارتهم فجأة ليرشُقو كميّة قليلة من الماء أصابت الأم وابنتها وبعض المارّة ! " حسبي الله ونِعمَ الوكيـل ، امشي يا يمّه امشي ، الله يهديكو ! " هكذا ردّت الأم ! دعَت لهم بالهدايـة ! في هذه الأثناء . نظَرتُ حولي إلى وجوه المارّة ، وأنا "متأكّد" أنني سأسمعُ منهم تعليقات ساخطة على هؤلاء الشّباب السّاقط .
أو أنني سأرى على وجوههم آثار الاستياء أو التعاطف مع تلك البنت المسكينة وأمها . ولكنّي عندما نظرتُ ، ودققت النّظر مرّة أخرى وأخرى وأخرى ، شاهدتُ شيئا واحدا .. مجموعة من الابتسامات الخجلى تتربّعُ على وجوه المّارّة .. ونظَرات ملؤها الفَرح تتنقّل من أعيُنِهِم بين البنت و الأم ! وكأنهم فخورون بما فعلتهُ الحُثالة الفارغـة تلك ! في لحظات .. رجعت بي آلة الزّمن إلى ذلك الصّديـق ، وإلى تلك الـ" النُّكتة " التي اعتقدت حينها أنه لم يقصد بها إلّا المزاح ! " يا زلمة احنا شو دخلنا "" وبدأ صدى هذه الكلمات يتردد بشكل مزعج داخل رأسي ! وأسررتُ في نفسي إذ أُمعِنُ النّظر في وجوه المارّة مجدّدا وأرى ابتساماتِهم الباردة : " معقول كان يحكي عن جدّ ! " أعتقد أنني يجب أن أعيد حساباتي .. وأرتّب دفاتري جيّدا .. وأركّبَ "نظّارات" أكثر دِقّة ، حتى أرى النّاس حقيقةً ، وأسمعَ جيّدا ما يقولون وما يعنون ! وأفرّقَ جيّدا بين الجِدّ والهزل في المرّة القادمـة ! " حسبي الله ونِعم الوكيل ! الله يهديني ! "