الخليج بين قوة الندرة وندرة القوة

mainThumb

07-08-2012 02:53 AM

 في تصريحات لا تنقصها الصراحة وبعد النظر، قال الشيخ محمد الصباح وزير الخارجية الكويتي السابق الأحد الماضي: «إن غيوما سوداء تتجمع في سماء المنطقة»، والقصد هو ما يحدث في الخليج وحوله من تداعيات للربيع العربي والصراع المحتدم حوله بين قوى إقليمية وقوى دولية. لم تأت تلك التصريحات من فراغ.

 
الخليج يواجه ما يمكن أن يسمى بالمعادلة الصعبة، بين «قوة الندرة»، أي تلك القوة الناعمة المؤثرة في المشهد الإقليمي والعالمي التي استمدها بسبب وجود النفط في أرضه، وبالتالي تسويقه والدخل الوفير الذي يجنيه من ذلك، وبين «ندرة القوة» المصاحبة على الأرض في حال انفراد كل دولة على حدة بتشكيل سياسات خاصة وبعيدة عن المصالح المشتركة. فدول الخليج بجانب أنها محدودة السكان - نسبيا - إذا ما قورنت بجاراتها في شرقها أو في غربها أو شمالها وجنوبها، فهي تحمل في داخلها إمكانية الاختراق السهل لما تحويه من تنوع سكاني كبير، وهجرة عابرة للقوميات، أورث ضعفا في القاعدة السكانية المحلية التي تمثل العمود الفقري والقاعدة الأهم لأي منظومة دفاعية فاعلة.
 
لم تدخل دول الخليج في خضم العلاقات الدولية المعقدة بشكل نشط إلا في الفترة الأخيرة، وخاصة بعد رياح التطورات التي هبت من حركة الربيع العربي وما صاحبها من تغيرات. كانت هذه الدول في الغالب تأخذ طريقا «تصالحيا» بعيدا عن الاستقطاب والمحاور فيما يشجر بين الأطراف الإقليمية والدولية، وربما فرضت عليها «قوة الندرة» في المرحلة الأخيرة، أن تشارك بنشاط ملحوظ في الأحداث الإقليمية، من ليبيا إلى سوريا، مرورا بالطبع باليمن، مما أورثها اشتباكا غير مسبوق في تعقيدات السياسة الإقليمية، التي تنذر – إن مددنا البصر وأمعنا البصيرة – بتغيرات بنيوية في شكل الدولة العربية من حيث تغير جذري محتمل في طبيعة السياسات التي استقرت لأكثر من نصف قرن مضى، كما أورثها تصادما بسبب موقفها من سوريا مع حراس النظام، روسيا والصين، التي تدخل دول الخليج معهما في «أزمة صامتة» إذا أضفنا إلى ذلك تصدع النظام العربي وشكوكا في بوليصة التأمين الدولية، نعرف أن هناك تغيرا لا رجعة فيه يسوتجب وضع استراتيجيات جديدة.
 
الغيوم السوداء التي أشار إليها الوزير الكويتي السابق – بما لديه من خبرة – أردفها بالقول إن الكويت لا تستطيع وحدها مواجهة التحديات، ودعا بشكل واضح وصريح إلى وحدة خليجية لا تتوقف أمام العواطف، بل تنظر إلى المصالح، وتستطيع أن تقف أمام تلك التحديات ودفع مصادر التهديد. وما ينطبق على الكويت يمكن أن ينطبق على بقية دول الخليج، التي يجب أن تبحث لها عن مناعة تقيها أمراض الجوار المعدية.
 
بشار الجعفري مندوب سوريا في الأمم المتحدة، لم يقف عند حدود التلميح والتعميم لدول الخليج في اتهامها بالتدخل في شؤون سوريا الداخلية، بل خص كلا من المملكة العربية السعودية وقطر بالملامة الثقيلة على ما يجري في سوريا، وهو أمر عاد إليه أكثر من مرة النظام السوري مهددا. وليس أمام المتابع إلا أن يسمع ويقرأ إشارات في أكثر من مكان في عواصم الربيع العربي بالتلميح أو التصريح، حيث تلام دول الخليج على تغليب تلك المجموعة السياسية على الأخرى في بلاد الربيع، وقد جاء اللوم أو حتى الهجوم بسبب تصور دعم الدول أو دولة خليجية لتلك الفئة أو هذه من القوى السياسية الزاحفة، ومهما حمل هذا التوجه من خيال أو مبالغة أو شيء من الواقع، فإنه بمثابة الحقيقة المطلقة لدى المتضررين، أو بعضهم من القوى السياسية في بلاد الربيع العربي، ذلك معطوفا على مخاطر كامنة لأي خيار تأخذه دول الربيع في المستقبل، أكان خيار الدولة المدنية أو الدولة الدينية، سوف يكون له صدى بالضرورة في دول الخليج.
 
مخاوف «السودنة» و«العرقنة» و«الصوملة» لها ما يبررها أيضا في حوض الخليج، نتيجة إما الأطماع والضغوط الخارجية، أو نتيجة قصور في أخذ الاحتياطات من التيارات العاصفة التي تحيط بالمنطقة وعدم الاستجابة والتلاؤم المسبق لتحدياتها، وعلى رأس الاستجابة أن دول الخليج منفردة لا تستطيع أن تقدم مخرجا معقولا لتلك التحديات. دول الخليج أيضا ليست على سوية واحدة من تعميق المواطنة واستيعاب الهويات المناطقية والطائفية، والإخلال بأمنها منفردة من جانب الآخرين الذين تضرروا من مواقف وتوجهات «قوة الندرة» سيكون أسهل عند الانفراد بها. يمكن أن تلجأ تلك القوى إلى «ندرة القوة» للاختراق الداخلي في حال استفرادهم بدول الخليج دولة دولة. بذور هذا التدخل ليست خافية على أحد، فكل يوم تحمل لنا الأخبار شكلا من أشكال الاضطراب في هذه أو تلك من دول الخليج، وصحيح أن تلك الاضطرابات في الغالب متحكم فيها ومنخفضة القوة، إلا أن وجودها في حد ذاته يدعو إلى اليقظة، فمن الغفلة عدم وضع تصورات لتجاوزها، وواحدة من خطط التجاوز – وليس كلها – هي الوحدة الخليجية التي يرى الاستراتيجيون في الخليج أنها أحد أهم الجدران الصادة التي يمكن أن تقلل من التداعيات السلبية لربيع العرب، أو اضطراب الأطماع الإقليمية، وخاصة من منظور تصدير المتضررين من مناصرة الربيع أو المبتزين من أهله - مشكلاتهم إلى الخليج.
 
لعل أحد المؤشرات في ذلك ما رشح من عزم إيران في الاجتماع المزمع انعقاده آخر هذا الشهر لدول عدم الانحياز، وهو تعبير سياسي انقضى أجله، ولكنه ما زال متعلقا به من البعض أن إيران سوف تضع على أجندة الاجتماع «موضوع البحرين» وهو أمر سوف يحرج دول الخليج حتى قبل عقد الاجتماع، فإن أصرت إيران على ذلك، فسيعني ذلك إما عدم اشتراك دول الخليج في هذا المؤتمر أو الإلحاح في الطلب على وضع «موضوع سوريا» على أجندة الاجتماع من أجل فرض التراجع على إيران. وعلى أي نتيجة يمكن أن تتمخض المشاورات القائمة حول الموضوع، إلا أن النشاط السياسي لدول الخليج الذي نتج عن استخدامها لـ«قوة الندرة»، أثار تدخلا مضادا مرغوبا منذ زمن بعيد في شؤونها يتسع ويكبر.
 
من هنا فإن المطالبة بتعزيز القوة التي هي نادرة الآن بسبب كثير من النواقص هي من أولويات التفكير الاستراتيجي المطلوب، ففي تجميع القوة الصلبة، وحشد القوة الناعمة، وتحويل منظمة مجلس التعاون من سكرتارية بروتوكولية في الغالب، إلى مؤسسة قادرة على التنسيق الفعال وصولا إلى شكل من أشكال الوحدة، في ضوء خطة واضحة ومبرمجة زمنيا للوصول إلى اتحاد يجمع القوى المبعثرة اليوم، هي مطالبة عقلانية واقعية في ضوء التحديات المطلوب استيعابها، وتعزيز «قوة الندرة» بقوة صلبة على رأسها توافق سياسي له مدركات مشتركة بين دول الخليج لمصادر التهديد الحقيقية وأول ما يحتاجه الخليج اليوم هو مبادرات تتفهم تأثير الانهيارات الضخمة حوله.
 
آخر الكلام:
 
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى الآن فشلت «الدولة العربية» في أحد أهم وظائفها وهي الاندماج الوطني، واحد من النتائج غير المحسوبة لربيع العرب هو التفكك الوطني لصالح «اثنيات»، فالدولة الكردية، وجنوب السودان وجنوب اليمن ودولة طرابلس الغرب، كلها مقدمات لما سوف يأتي!


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد