الزعتريون في ثلاجات اللجوء!

الزعتريون في ثلاجات اللجوء!

16-12-2013 04:16 PM

في فصل الشتاء، تظل أبصارنا شاخصة نحو الغيوم.. نتركها تسبح في فضاء الإنتظار.. تسير قلوبنا مع قطع السحاب، كما يسير الراعي مع قطعان ماشيته.. ننتظر قدوم المطر؛ ليغسل أجسادنا مما علق بها من هموم، ولينعش أرواحنا بموسيقى هطوله وقداسة تدفقه..

في فصل الشتاء، نتوحد مع الأرض.. نرتوي كما ترتوي مسامات جلدتها الجدباء بالماء.. فينبت الحنين وتنبت الأشواق في ذاكرتنا متسلقة جدرانها، كما يتسلق العشب جدران بيت قديم، ما زال يصرُّ على عزف سمفونية الخلود رغم زقزقة الطيور.. التي بنت لها وسط تشققاته أعشاشاً يتطاير منها الريش على أرضيته الفواحة برائحة الرطوبة.. والمبتلة بدموع السنين..
في فصل الشتاء، ووقت تساقط الثلوج.. تلقي علينا السماء أثوابها البيضاء، فتتشح الأرض بإكليلها الأبيض عروساً.. تنسج لها الريح من غزالة خطاها وشاحاً من عطر.. يلتف حول قبعات الثلج المزروعة فوق رؤوس الجبال.. وحول أعناق الصخور الملتفة التفاف السوار حول خصر الطبيعة الراقص طرباً لمواسم الخصوبة..

في فصل الشتاء، وعندما يعصف بنا البرد.. نزداد تحلقاً حول المدافئ، ونطوقها بأجسادنا كما يلتف الهنود الحمر حول نارهم المقدسة.. ثم يتراكض أطفالنا بفرح غامر خلف حبات الكستناء.. التي تتقافز في شتى الإتجاهات، بعد نضوجها على نار انتظارهم، وهي تئن مزبدة فوق رؤوس المواقد والمدافئ..

وفي ذروة انغماسنا بملذات الطعام والشراب.. وغمرة انتشائنا برائحة الكستناء، ورائحة الشاي التي تدهم أنوفنا مرة فواحة برائحة الميرمية وأخرى فواحة برائحة النعناع.. لتتحول بعد ذلك أقداح الشاي بين أيدينا إلى نبيذ معتّق، لا يخرجنا من سكرتها سوى خبر يومض بؤسه كل دقيقة أو دقيقتين على شاشة التلفاز: الأمطار والثلوج تداهم مخيم الزعتري..
وقتها يكتسحنا الخجل الشديد، فترتفع درجة حرارة أجسامنا.. وتعلو الحمرة وجوهنا.. وتزداد سرعة نبضات قلوبنا..

وترتعش أيدينا وتجف حلوقنا.. وقتها، فإنه رغم كل ما نرتديه من ملابس ثقيلة، لا يفارقنا شعور العراة الذين قرفص البرد جوف عظامهم.. وسكن ارتعاشات شفاههم في ليلة تعوي فيها الرياح كما تعوي الذئاب فوق الجبال..

مع كل خيمة تقتلعها الريح من خيامهم، تطفر من عيوننا ألف دمعة.. ومع كل ارتعاشة طفل من أطفالهم، نفقد آخر ما تبقى لنا من رصيد إنسانيتنا.. ومع كل نواح أم تقي أطفالها البرد بجسدها العاري.. وتحتضنهم بأطراف أصابعها التي تتساقط منها قطرات الماء.. تكتسحنا موجة بكاء هستيرية لنطهر أنفسنا من أدران التقصير..

في ذلك المخيم، كشفت عاصفة الثلج عن عورة تمديدات تصريف المياه؛ مما تسبب في تحويل أرضيته إلى وحل يمتص خطواتهم الهاربة نحو المجهول.. في ذلك المخيم حيث ثلاجة اللجوء.. يغصُّ الفضاء بالصراخ.. ولكن لا شيء غير الصدى يهرول نحو آذانهم التي لم تعد تصغي سوى لدبيب الموت في صحارى الوعود الكاذبة..

أيها المشردون والمهجرون: ليس بوسعنا إلا مؤاخاة ليلنا مع ليلكم.. وقلوبنا مع قلوبكم.. وموتنا مع موتكم..

أيها اللاجئون لا تنتظروا منا أكثر من البكاء.. وأكثر من الخجل.. وأكثر من العجز.. لا تنتظروا منا أكثر من أن نسرق لكم من قيثارة درويش سنابل الأمل:

 وضعوا على فمه السلاسل

 ربطوا يديه بصخرة الموتى،

    وقالوا: أنت قاتل!

    أخذوا طعامه، والملابس، والبيارق

    ورموه في زنزانة الموتى،

    وقالوا: أنت سارق!

    طردوه من كل المرافئ

    أخذوا حبيبته الصغيرة،

    ثم قالوا: أنت لاجئ!
   
    يا دامي العينين، والكفين

    إن الليل زائل

لا غرفة التوقيف باقية

    ولا زرد السلاسل!

نيرون مات، ولم تمت روما..

بعينيها تقاتل!

وحبوب سنبلة تموت

فتملأ الوادي سنابل ...!



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

إدارة السير ترصد مخالفات خطيرة وتدعو للإبلاغ عنها

انخفاض أسعار الذهب في السوق المحلية الثلاثاء

الفرصة لاستعادة الدولة

الآنسة مي والسيدة فاطمة

هل نحتاج إلى غرفة أخبار

كوبا: هل ما تزال احتمالات الغزو الأمريكي قائمة

هل سيعالج بيرنام مشاكل بريطانيا وإخفاقات حزبه

33 فعالية أردنية على مسرح ارتيمس ضمن مهرجان جرش والدخول مجاني

الإدارية النيابية تواصل إقرار مواد مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026

سماء الأردن على موعد مع اكتمال بدر تموز مساء الأربعاء

الكويت وكوريا ومصر وفلسطين ضيوف بفنهم على مسرح الهيبودروم

مجموعة المركزية تفتتح أول مركز متكامل في إربد يضم معرض سيارات تويوتا ومركز صيانة لجميع أنواع السيارات وقطع الغيار الأصلية

عمّان الأهلية تشارك في مبادرة " رقميّتها " لتمكين المرأة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي

عمّان الأهلية تستضيف امتحان تدريب طلبة كليات الصيدلة لإقليم الوسط بالتعاون مع نقابة الصيادلة الأردنيين

مجلس النواب: التصعيد في الضفة يجسد إرهاب الاحتلال

منع الشورت في الأردن .. تقرير شامل يرصد الجدل والآراء القانونية والإعلامية والشعبية

جريمة تهز الكرك .. طفلة تفقد حياتها على يد والدها وشقيقها

تطور جديد في قضية جيمي كارني .. محققون إيرلنديون يزورون الأردن

هل نشهد حراكاً غير مسبوق في الجامعات؟ المادة 21 تضع مصدر دخل آلاف العاملين على المحك

‏وفاة أم وأطفالها الثلاث في حادث أليم على الطريق الصحراوي

إرادة ملكية بالموافقة على وكالات عدد من الوزراء .. أسماء

فضل شاكر وجورج وسوف بمجلس النواب الأردني .. ما القصة

انخفاض ملحوظ بأسعار الذهب محلياً اليوم

مهرجان أبوظبي 2026 يواصل فعالياته أكتوبر القادم

الدفاع المدني يتعامل مع حادث شخص محاصر داخل حفرة في منزله

حريق مجمع سفريات عجلون .. تجار يروون للسوسنة كيف فقدوا مصدر رزقهم

إيقاف القسائم البلاستيكية .. مهم بشأن رخص القيادة والمركبات

تدهورت صحته وضعف بصره .. فنان مصري يعتزل التمثيل

اتحاد منتجي الدواجن: نظام "الطيبات" يفاقم خسائر القطاع في مصر

إصابة 12 شخصاً بينهم طفل إثر عقر كلب ضال في إربد