التقدم بالعمر والخوف من الموت / د.يوسف العجلوني

mainThumb

27-06-2022 10:44 PM

 الحياة سريعة وتنتهي ، فما أن تصل الى مرحلة أنك تصاحبها إلا وإذا بها تتركك . الحياة فيها الراحة والمتعة والفرح ، وفيها المكابدة والمصائب والأحزان. دوارة ، ومستمرة التغيير ، لها أفلامها وأحلامها ومراحلها وألوانها وغدرها ، نكبر ويموت الأحبة والأقرباء ، لحظات صعبة تجعلك تتوقف لتفكر بماهية ما يحدث ، وكيف تسير هذه الحياة ، ويأتي الموت بنهج غير معروف ولا يستثني أحداً.

 
الإنسان يحب البقاء على قيد الحياة ، ويصارع من أجلها ، ويأمل أن يعيش عمراً طويلاً؛ يعشق الأيام والليالي ، ويستمتع بها على طريقته ، ويطمح للكثير منها ، ويزداد جمالها وسحرها كلما تجوّل في نواحيها وتعرّف على مغرياتها.
 
 الموت يأتي بغتةً ، فيتوقف الإنسان نهائياً عن النمو  والنشاطات والوظائف الحيوية من تنفس وأكل وشرب وتفكير وحركة ومشاعر . ثم تفارق الروح الجسد إلى ما أعد لها الله من نعيم أو عذاب ، ثم هي بعد ذلك خالدة.
 
الموت هو الأساس ، وتبدأ منه وتنتهي به الحياة ، وكل إنسان يعلم أنه مهما طال أجله فهو ميت لا محالة ، ولكن متى ؟ وكيف ؟ واين ؟ بمرض أو فجأة ؟ بهدوء أو بألم ؟ وماذا بعد الموت وإلى اين ؟ وكيف الحساب ؟  وما هي النتيجة التي لا يعلمها إلا الله ؟ وأين سيكون الخلود؟ في الجنة أم في النار ؟.
 
هنالك علامات تحدث خلال الأشهر الأخيرة من الحياة وتُشير إلى إقتراب الأجل : فقدان الشهية للطعام ، حيث تقل حاجة الجسم للطاقة ، وقد يحدث توقف كامل عن الأكل في الأيام الأخيرة. عدم المقدرة على أداء النشاطات الإجتماعية والوظيفية ، وزيادة عدد ساعات النوم ، والرغبة في الوحدة والعزلة. وانخفاض ضغط الدم ، واضطراب التنفس ، واضطراب نبض القلب. يقل البول ويتغير لونه إلى الغامق بسبب توقف عمل الكلى تدريجياً. إضطراب القولون بسبب قلة تناول الطعام  ، فتقل الحاجة للإخراج. ضعف العضلات والشعور بالتعب الشديد ، وتنخفض درجة حرارة الجسم بسبب ضعف دوران الدم ، ويصبح الجلد شاحباً ، وتظهر عليه بقع زرقاء أو وردية ، ويقل الإحساس بالبرد ، وتتورم القدمين واليدين. ويحدث إرتباك وتشوُّش ذهني بشكل متقطع. قد تحدث أيضاً بعض الألام ، والهلوسات ، وفقدان الوعي لفترات. في اللحظات الأخيرة ، يفقد الإنسان القدرة على فتح الأعين أو إغلاقها كاملاً ، وأخيراً تتوقف أجهزة الجسم  مثل الكلى والقلب والرئة والدماغ عن العمل. 
 
الموت ينتظرنا على مفترق طريق نجهله ، معظمنا يتناسى هذه الحقيقة ، مع إنها باقية في النفس ، ويزداد التفكير فيها مع العمر ، والكثير منا يحذر طرق باب الحديث عن الموت ، لأن الفكر الذي تربينا عليه لا يحبذ ذكر الموت ، ففي ذلك استحضاراً له ، وهنالك قصص كثيرة تؤكد ذلك ، حيث مات الكثير وكان آخر حديثهم عن الموت ، الذي لبى النداء وحصد أرواحهم.
 
عندما يخطف الموت أحد الأحبة ، نشعر بالخوف والإحباط الشديد ونرفض الفكرة ، ويصعب علينا تقبّل ما حدث ، وتأتينا أفكار وأسئلة كثيرة: هذا ليس عدلاً ، هذا ليس صحيحاً ، هذا كان ابي وتلك كانت أمي ، ونحتاج لعدة سنوات حتى نتقبل الحقيقة.
 
التفكير في الموت يعلمنا كيف نكون أكثر قدرة على المواجهة وتقبّل الألم والمرض ومآسي الحياة ، ومن الممكن في بعض الأحيان أن يكون بالموت  الخلاص والراحة الأبدية ، وتكون نهاية الأحزان والآلام ويكون هو الحل الجذري.
 
الموت أمر طبيعي ، ويتوجّب علينا تقبّل ذلك اعتماداً على قدرتنا الفكرية والثقافية ، والحالة النفسية والدينية ، والقوة الإيمانية ، والبيئة التي نعيشها. 
 
نحن نخاف الموت لأننا نخاف أن نخسر أحبّائنا ونخاف الفراق ، نخاف الموت لأننا نخاف من المجهول ، نخاف الموت من شدة خوفنا على فقدان  الحياة ،  نخاف الموت لأننا نخاف من القبر ، نخاف مما في الحياة الآخرة ، نخاف من الحساب ، و نخاف من العذاب ، جنة أم نار ؟
 
العمر مرتبط بالخوف من الموت ، حيث أن التقدم بالعمر يجعل كبار السن يخافون من الهرم وتدهور حالتهم الصحية وأنه لم يتبقى لهم من العمر قد ما مضى ، ومع ضعف الجسد والقدرات ، يبدأ الخوف من الموت لا يغيب عن أذهانهم ، فتراهم يبدأون بالتركيز على الآخرة ، ويتركون الدنيا ، وذلك ينعكس على تصرفاتهم في كافة أعمالهم اليومية ، ممكن بإيجابية واضحة وتصالح مع النفس والمجتمع ، وغالباً ما يقودهم المثل : "يا رايح كثر ملايح". وآخرون وهم قلة ممكن أن يتصرفون بسلبية لتركهم للدنيا، فيكونوا رافضين مخالفين معارضين، ويكثرون من النكد الى درجة أن الجميع يتمنى لهم الموت. وأيّما كانت التصرفات إيجابية أم سلبية ، فالعمر محدود واليوم معروف والموت آت ٍ. 
 
عندما نرفض تقبل الموت ، فإن ذلك يدفعنا الى العيش بمعاناة مستمرة ، وندخل دائرة الشقاء والحزن والأسى وعدم الراحة ، ويصبح الطريق متعرجاً ، ويكون الخوف من كل شيء يمر بنا ، مما يجعل الحياة مكدرة مليئة بالهموم والمتاعب ، ويفقدها قيمتها ، ويقيّد تصرفاتنا ، ويمنعنا من الإنجاز ، ويغلق طريق الأمل والسعادة أمامنا.
 
الحقيقة أننا نقترب من الموت أكثر مع كلّ يوم يمضي من حياتنا وتقدمنا بالسن ، وذلك يشكّل لنا صراعاً داخلياً نعيشه باستمرار ، كلما واجهنا مرضاً أو موت قريب ، ونسأل أنفسنا متى يحين دورنا وكيف؟ ، وما هي إلا أيام ويرجع الأمل أنه ما زال لنا وقت في هذه الحياة. 
 
يجب أن ننظر إلى الموت بإيجابية أكبر وقناعة وعدم الخوف من اقترابه ، وذلك في اللجوء إلى الدين والإيمان بالحياة الأبدية ، وبأن الروح ترجع إلى ربّها في نعيم ونقاء. 
 
لتتقبل حقيقة الموت ، ممكن أن تتخيل أنك مدعو إلى حفل كبير  في مكان تصله للمرة الأولى دونما تفصيلات مؤكدة ، وأنك سوف تعمل كل شيء ليكون حضورك هناك مقبولاً وأنيقاُ ، وفي هذا الحفل سوف ترى أشياء جديدة تقودك الى الحياة الأبدية ، ومن هذا المنطلق تكون سهولة الانتقال عن  طريق الموت.
 
اليقين بالموت يمكن أن يكون له تأثير إيجابي قوي ، وممكن أن يؤدي إلى تحول جذري في المواقف والأفكار لدى الفرد ، فتكون القناعة بأن القلق بشأن المستقبل أو الندم على الماضي هو مجرد إضاعة للوقت.
 
عندما يتوقع الإنسان المدة  المتبقية من عمره ، ممكن أن يمر بخمس مراحل: وهي الإنكار والغضب والمساومة والإكتئاب والقَبول. وتتميَّز هذه المراحلُ عادةً بترتيب متسلسل تقريباً. ولكن يمكن أن تحدثَ في أيِّ ترتيب. وهنالك عدة إحتمالات لما سيقوم به الشخص المقبل على الموت : فممكن أن يبدأ بالإصلاح والقرب من العائلة والعمل الصالح ، وممكن أن يتوقف عن كل النشاطات وينتظر ساعة النهاية ، وممكن أن يُصاب بالإكتئاب والسلبية ويبتعد عن الناس وتصبح تصرفاته عدوانية ضد الجميع ، وممكن من شدة الإكتئاب وعدم تقبل الواقع أن يلجأ الى الإنتحار. وهذا نادر بوجود الإيمان بالله ؛ وقد يلجأ البعض للتضرع إلى الله و محاولة تصليح ما ارتكبه من ذنوب خلال حياته  ، ويلتزم بكل الأمور الإيمانية ، والبعض قد يقوم بعمل كل شيء حلم به منذ زمن ، خلال المدة الباقية من عمره.
 
الأفضل في حالة الشعور  بإقتراب الموت ، أن يُسارع الإنسان المقبل على الموت بالتصالح مع الأهل وجمع شمل ما فرقته الحياة طوال السنوات الماضية ، ويضع الحزن واليأس جانباّ وينظر للحياة بمنظور آخر على أنها سوف تنتهي مهما طالت ، فيجعل التفاؤل والأمل نصب عينيه ، ويقوم بأعمال تملأ أيامه بالحسنات ومحبة الناس والمسامحة ، ولا ينتظر عطفاً أو اهتماماً أو شفقةً من الآخرين ، وبذلك يختم الإنسان حياته بوفاة طيبة وجميلة.
 
بعض الناس يسألون عن ألم الموت عندما تفارق الروح الجسد ، حيث تسمى هذه اللحظات بالمنازعة بسبب نزع الروح عن الجسد ، وكان الناس يجتمعون حول من ينازع ليدعوا له بأن تؤخذ روحه بسهولة وسرعة دون ألم ؛ ويرتاح الجميع عندما تصعد روحه الى السماء . والحقيقة لا يمكن لأحدٍ أن يُجيب على هذا السؤال بشكلٍ مؤكّد ، لأنّ من مات لا يعودُ للحياة الدنيا ليخبرنا عن شعوره بِدقّة عند الإحتضار وخروج الرُّوح . قد يكون الموت مؤلماً ، وقد يكون راحةً من آلام الجسد قبله ، والتي تنتج من أسباب عضوية تسبقُ مرحلة خروج الرُّوح، وترتبطُ بأعراض تلَفِ الأعضاءِ والأنسجة الحية.
ومن الممكن أن يكون الموت عملية تُشبه النوم ، حيثُ لا يشعرُ الإنسان فعلياً لحظة انزلاقه في لا وعي النوم ، وبالتالي فهي عملية خاليةٌ من الألم وترتبطُ بمشاعرِ الصّفاء والجلاء والسّلام والهدوء والسكينة. 
 
 وسيبقى الموت أمراً مُحيّراً للعقل الإنساني مهما كان هنالك من نظريات وتطمينات ، وأسوأ ما فيه انتظاره والخوف منه وليس حدوثه؛ ولا شكّ أن التحرّر من الخوف من الموت يـُمكن أن يضمن لنا قدْراً كبيراً من الطُّمأنينة النفسية والأمل بالأيام القادمة. الحياةُ نفسُها قد تؤلم أكثر من الموت الذي ينهي الشّعور بالمكابدة والألم والعناء . إن غياب الإدراك في السّاعات الأخيرةِ للاحتضار يجعل طريق النهاية إلى الموت سالكة بسهولة ويُسر.
 
وأخيراُ أقول : إن الموت قدر سيأخذنا جميعاً ، إنه يخطف حياتنا ويباغتنا دون مقدمات ، يخيفنا بدرجات ، ولكن هل هنالك حل آخر ؟ ، فمهما وصلتم ومهما طال العمر بكم فإنكم بعد ذلك لميتون.
 
يجب علينا ألا نجعل التفكير في الموت يقلل من اهتمامنا بالحياة ، وأن نفكر بالموت على انه الحقيقة الحتمية التي لا مفر منه ، وأن ننتظر ذلك اليوم بإيجابية ، وأن نعمل لدنيانا كأننا نعيش أبداً ، وننظر إلى الحياة وكأنها استمرارية لا انقطاع فيها ، سواء كنا فيها أو تركناها ، فالحياة لا تختفي من الوجود أبداً ، لأنها تنتقل من جيل إلى جيل : من الآباء إلى الأبناء.