الكَلماتُ وصِناعة الخِطاب

mainThumb

04-10-2022 09:46 AM

تلعبُ الكلماتُ دوراً رئيسا وخطيرا في النّفسِ الإنسانيّة، ولا شكَّ أنها تؤثرُ بالنّفس الإنسانيّة تأثيرا عميقا وكبيرا، فهي تلعبُ بالنّفسِ كيفما أرادتْ بطريقةٍ لاواعية أحيانا، وواعيةٍ أحايين كثيرة، وهذا التّلاعبُ بالنّفس هو عمليةٌ مشتركةٌ بين الكلمة والنّفسِ، فكلاهما لديه مصلحةٌ في هذا التّلاعبِ والتّصالحِ. وكلاهما يميل للآخر ميلا حنينا مرةً، وخبيثا حقيرا مرارا، ولا شكَّ عندي أنَّ النّفس الإنسانيّة مكوّنٌ أصلا من نسيجٍ لغويٍّ محكمٍ ودقيق، بشتى أنواعِه وأشكاله بنيةً وتركيبا ودلالةً واستعمالا، وبناءً على ذلك فإنَّ سلطة الكلمة على النّفس، لا ريبَ، هي سلطةٌ ليس بالسّهولةِ الخروج من قبضتِها، والانفكاكُ من سطوتِها؛ ولكن لا يَعني هذا أنَّ الكلمةَ متمردةٌ على إرادة النَّفسِ، بل أنَّ للنّفس إرادةً واعيةً حكيمة، إنْ شاءتْ، في التّحكم بسلطةِ الكلمةِ وفق إرادتِها ومرادِها.
والحقُّ، أنَّ إرادة النّفس في التحكم بسلطة الكلمةِ يحتاجُ إلى أبعادٍ إنسانية لا بدَّ لكلّ نفس أنْ تتحلى بها للخروجِ من عباءةِ الكلماتِ بما يناسب حريّتها وإرادتها، وهذه الأبعادُ تمثّلُ الأداةَ التي تجعلُ من النّفسِ الإنسانيَّة صخرةً عتيدةً، وجبلا شامخا، ونخلةً ثابتةً، لا تتزحزحُ بعواصفِ الكلمات، ولا بأمواجِ العبارات، ولا بنيرانِ الخطابات، وتلك الأبعادُ هي، التّربيّةُ والأخلاق والعلمُ والأدب والهدفُ والمقصدُ إلى غير ذلك، إلا أنَّ أهمَّ تلك الأبعاد هما البعد الإيمانيّ، والبعد القِيَميّ، وهذان هما البعدان الأساسيان اللذان سيحطمان كلَّ سطوة وسلطة للكلمات، وهما اللذان سيكسبان النّفسَ حريةً وإرادةً لا يقفُ في وجهها أيُّ سدٍّ من سدود الانصياعِ والخنوعِ والاسْتسلام.
وفي هذا الإطار فإنَّ التّعاطي مع الكلمات والمصطلحات الفكريّة والأخلاقيّة والسياسيّة محكوم بسطوة النّفس وصدقها مع ذاتها، وإلا فإنَّ تلكم الكلمات تتيح له مما يسمح به مفهومها وتداولها من الأخذ بها بالطريقة التي تتناسب هواه وفكره ومذهبه ومصلحته، بعيدا عن الحقّ والحقيقة، وبعيدا عن المنفعة العامة مثلا، وبعيدا عن مصلحته الشّخصية وغايته بأيّ حال من الأحوال.
ولا شك أنَّ ثمّة عشرات الكلمات والمصطلحات الفكريّة والسياسيّة والدينيّة والاجتماعيّة وما إلى ذلك، من مثل، الوطن، والمواطنة، والهويّة، والخيانة، والحبّ، والحريّة، والكرامة، والإرهاب، والعنف، والمقاومة، والخير، والشّرّ، والفساد، والعدل، فهذه الكلمات تتداول بشكل ملحوظ من طرفين نقيضين غالبا، وكلّ واحد ينسب لنفسه أو يدفع عن نفسه هذه الكلمات أو بعضها، فمفهوم "الوطن"، مثلا، عند (سين) من النّاس، هو غير الوطن عند (صاد) من النّاس، وكلاهما يدافع عن "الوطن" بالطريقة التي تتيح له الكلمة من مفهومها وإسقاطات المتكلم عليها، فقد تستعمل كلمة "الوطن" على دلالة (المُطابَقة): وهي دلالة اللفظ على تمام وكمال معناه الذي وضع له، أو على دلالة (التَّضَمُّن): وهو دلالة اللفظ على جزء معناه الذي وضع له، أي يستعملها أحدنا بمفهومها الكلي أو بعض مفهومها، فالوطن بالتضمن، قد يدلّ على الأرض وحدَها، أو الشّعب وحده، أو الحاكم وحدَه، أو الدّستور وحده، أو تعني الأمنَ أو الاستقرار أو الجيشَ، أو أن تدلّ على مجموع ما سلف، من باب المطابقة. وهكذا، فقد يكون الحوار بين طرفين حول "الوطن"، طرف يحاور بدلالة التّضمن وآخر بدلالة المطابقة، أو تضَمّن إزاء تضمن آخر.
وقُل مثل ذلك في كلمة "الحبّ"، فهل الحبّ حرام؟ هو حرام ومنكر، وفي الوقت ذاته هو مباح وواجب، ولكن عن أيّ حبٍّ تسأل، هل هو حبّ الله، أمْ حبّ الوالدين، أم حبّ الزوجة، أمْ حبّ بنت الجيران، أمْ حبّ عذريّ، أمْ حبّ صريح، أم حبّ المنسف والملوخية، أم حبّ الحلويات، أم حبّ الأفلام، أم حبّ الخمرة، أم حبّ الكراهية.
فالحبُّ إيمانٌ، والحبّ طهارة، والحبُّ عفة، والحبُّ طاعة، والحبُّ احترام، والحبُّ معصية، والحبُّ كراهية، والحبُّ لذة، والحبّ رذيلة، والحبّ ذوقٌ، والحبّ جنون، والحبّ جريمة، والحبّ خير، والحبّ شر، وهكذا، وربَّما يكون الجواب عن السّؤال السّابق بأنَّ الحبَّ حلالٌ إذا كان بمعنى الإيمان والطّاعة والطّهارة، وهو حرام إذا كان بمعنى الرذيلة والكراهية والجنون، وقل مثل ذلك في باقي المصطلحات والكلمات الآنفة الذّكر.
وذلك ما نجده، جليّا، عند توظيف فرعون لكلمة "الفساد" لصالحة، عندما حارب دعوة موسى -عليه السلام-، معلّلا ذلك، بأنّ موسى-عليه السلام- يدعو للفساد، وغايته من تلك الدّعوة إظهار الفساد في الأرض وخرابها، يقول تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ۖ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾.
من هنا، نُدرك أنَّ الكلمة هي مَن تَدْفعُ صاحبَها إلى القول، وهي التي تشكل رؤاه وخطابَه وجدالَه، وهي الّتي تدفعه إلى السّوء وإنكار المعروف وقَلْب الحَقائق والتّزييف والتّزوير، فبالكلمة يُفعل ذلك وأكثر لمن أرادَ أنْ يكون الخطابُ كذلك، فالكلمةُ أداة فتّاكة وحادَّة في وجه الخير من جهة، وهي نفسها أداةُ إعمار وبناء وازدهارٍ وكشفٍ للكذب والتّزوير، وأداةٌ حادّة في وجه الشّرّ من جهة أخرى.
وعليه، فإنّ الكلمة هي صاحبة الخطاب، وهي من أوجدته وأخرجته من العدم للوجود، خيرا كان أم شرّا، وهي الأداة التي من خلالها تنشأ الخطابات والأحداث والوقائع، وهي منبع الإعلام والسياسة والفكر والعلم والجهل، وأمرها في ذلك، راجع إلى مُستعمِلها ومُطْلِقِها، وراجع إلى مرجعيته الفكريّة والدينيّة والتربويّة والثقافيّة، وراجع إلى مكنونات نفسه ورغباتها وشهواتها ومطامعها، فالإنسانُ أعقد من أنْ يُفهم، وأعقد من أن يُدْرَك ماهيّة ونفسيّة ونظرةً ونيَّة، ولكن هذا لا ينفي، عن نفسه، وعْيَها وإدراكَها وإرادتها الحرّة الواعية في ما تقول وتتكلم، بغضّ النّظر عن توظيفه للكلمة وأبعادها الدّلاليّة والنفسيّة والأخلاقيّة، وعن تأثيرها في الآخر سَلبا أو إيجابا.