إسعفوا مرتي واتركوني

mainThumb

28-10-2022 09:35 AM

ذهبوا الى عاصمة البلد وقد أصابها التخمة من تزاحم البشر والحجر ، وها هي أكوام الحديد تنقل الأجساد بين ريف وبادية ، إلى عاصمة تسخر من سائر الأمصار وساكنيها .
لم تكن غايتهم فيزا للهجرة تداري سوءة الأوطان ، ولم تكن لجلب مكرمة ، وهي حقوق قد كانت قربانا على مذبح الفساد ، بل في رحلة علاج بعد أن غاب أبقراط وابن سينا عن حاراتهم ، فنحن في وطن يحيا برأس دون سائر الأحشاء ، ولم تشفع كل التكنولوجيا في ميلاد معاملة ، وقد غاب عنها لوعة المسير الى عمان .

لم يكن بمقدورهم طرق باب الفاخر من المشافي ، وقد ضاقت بهم ذات اليد وذات الرجل ، فانتظروا في مستشفيات عامة تذكرنا بيوم الحشر والبعث من القبور ، طال انتظارهم ليأتي دورهم كمن يساقون للمقصلة بعد أن أدمت سواعدهم زردات السلاسل .

عاينهم طبيب يعاني لوعة السهر على راحة الأبدان ، وجاد بما لديه من علم وصبر ، ووعدهم بلقاء بعد شهر لا يبالي بلوعة المسافات .
غادروا المشفى بعد يوم بطول صبرنا على لجنة تسعير المحروقات ، وها قد حان وقت الانتظار من جديد ، فهم منذ شهقة البدء ، من المبشرين بالسرفيس الى الأبد .

وصلوا مجمع العبدلي قبل ميلاد مجمع الشمال ، واستقلوا حافلة الإياب .
انطلقت حافلتهم وصوت المذياع يصدح بصوت وطن مبحوح ، وقبل وصولهم بربع ساعة كانوا على موعد مع القدر حين غافلهم ، فانقلبت حافلتهم مثل ضبّ وقد صوّحته الشمس بحرقتها ، فتبعثروا بين قتيل وجريح .
تسارع القوم لنجدتهم ، فما زال بين البائسين نخوة الأولين ، رغم عوزهم ورغم خذلان المترفين .

في المشفى الذي كان يحتضر من نقص الكوادر والإمكانات ، كان المشهد متخما بالجراح والأنين ،
ومن بين الجمع كان هناك صوت يتوسل الحاضرين ، لبوا النداء وذهبوا لإسعافه وقد أضنته الجروح، صاح بهم أن اتركوني وأنقذوا زوجتي ، وقد أعياهم الدليل قبل أن يجدوها ، ثم يتردد الصدى مرة تلو الأخرى أن انقذوا زوجتي ،
كانت أوراقها في دنيانا قد أدركها الخريف ، ففاضت الروح الى بارئها ، وعاش زوجها ليروي للعالم قدرا قد حرمه نعمة البنين ، فقد كانت الفقيدة حاملا في شهرها الرابع وقد نجحت زراعة الأنابيب بعد عقد ونصف من زواجهم . للخالق حكمة لا يعلمها من قتله الحزن وأعياه طول السهر ، ولكن كم
قاسية هي الحياة وقد عذبت عشاقها بالموت والضجر .

طابت أوقاتكم
القصة حقيقية ومكررة ، ولكن الحوادث تتكرر دون أن نعتبر