العقل قبل الاصطفاف: قراءة في صراعات المنطقة ومصيرها المشترك
في لحظات التحولات الكبرى التي تمر بها منطقتنا، لا يكون السؤال الحقيقي: مع من نقف عاطفيًا؟ بل كيف نقرأ المشهد بعقلٍ يتجاوز ردود الفعل اللحظية، ففي هذه اللحظة التي تتصاعد فيها المواجهة مع إسرائيل، تبدو معادلة المنطقة أوضح مما يظن كثيرون؛ إذ إن ما يجري لا يخص دولة بعينها بقدر ما يمسّ التوازن الإقليمي كله. ومن هذه الزاوية، فإن أي فعل يضعف المشروع الإسرائيلي أو يخفف الضغط عن أهل غزة يجد صداه الطبيعي في وجدان شعوب المنطقة، ليس حبًا بدولة بعينها، بل لأن طبيعة الصراع نفسه تفرض هذا التلاقي المؤقت في المصالح.
لكن المقاربة الناضجة تفرض علينا أن ننظر إلى الصورة الكلية لا إلى اللقطات الجزئية، فنحن لسنا مع إيران بالمطلق، كما أننا لسنا ضد الغرب بالمطلق؛ بل نقيس المواقف بميزان الحق والمصلحة لا بميزان الاصطفاف الأعمى، لا أحد ينكر أن الولايات المتحدة قدمت للعالم علمًا وتكنولوجيا وتقدمًا هائلًا، لكن تجاهل الوجه الآخر من سياساتها في منطقتنا ليس موضوعية. فقد كُسر العراق في لحظة مفصلية من تاريخ المنطقة، ومن خلال هذا الكسر اختلّ التوازن الإقليمي وفتحت الأبواب لتمدّد قوى إقليمية وصراعات جديدة في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وقد شكّل الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 نقطة تحوّل كبرى أنهت توازنًا إقليميًا استمر لعقود، وفتحت المجال أمام صعود قوى إقليمية جديدة وتصاعد موجات الصراع الطائفي والسياسي في المنطقة.
لقد علمتنا تجارب العقود الماضية أن الانقسامات الحادة داخل المنطقة لا تبقى محصورة في حدودها، بل تتحول إلى بوابات لتدخلات وصراعات أكبر. ويكفي أن نتذكر أن الحرب في سوريا منذ عام 2011 أدت إلى مقتل مئات الآلاف ونزوح أكثر من 12 مليون إنسان، في واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العصر الحديث، فكلما ازداد الاستقطاب والعداء بين دول المنطقة، ازدادت هشاشة النظام الإقليمي كله، وتراجع الاستقرار والتنمية.
وفي خضم هذه الصراعات، تظهر أحيانًا قراءات تبالغ في تفسير مواقف بعض القوى الإقليمية باعتبارها دفاعًا مباشرًا عن قضايا المنطقة، لكن الواقع يشير إلى أن أولويات الدول تُبنى غالبًا على حسابات السيادة والمصالح الاستراتيجية الخاصة بها؛ فإيران، على سبيل المثال، لم تُظهر أن الدفاع عن غزة أو فلسطين هو الدافع المباشر لتحركاتها العسكرية، إذ لو كان ذلك أولوية مركزية لكانت المواجهة قد اتخذت شكلًا مختلفًا خلال فترات العدوان الإسرائيلي على غزة، حين لم تُفتح جبهات مباشرة واسعة. لذلك يبدو أن جزءًا مهمًا من تحركاتها يرتبط بالدفاع عن سيادتها ومصالحها الاستراتيجية، بما في ذلك مشروعها النووي وموقعها الإقليمي.
ومن هنا تأتي أهمية أن ننظر إلى منطقتنا باعتبارها فضاءً مترابطًا جغرافيًا وتاريخيًا واقتصاديًا؛ فضاءً تتقاطع فيه طرق التجارة والطاقة والممرات البحرية، وتتداخل فيه المصالح الأمنية والاقتصادية، بحيث إن أي اضطراب كبير فيه لا يصيب دولة بعينها، بل ينعكس على الجميع.
وقد شهدت المنطقة في تاريخها الحديث لحظات كان فيها التعاون الإقليمي ممكنًا بل وواعدًا، ومن الأمثلة اللافتة إعلان مجلس التعاون العربي عام 1989 بين العراق والأردن ومصر واليمن الشمالي آنذاك، في محاولة لبناء إطار اقتصادي وسياسي إقليمي قبل أن تعصف به تحولات المنطقة بعد حرب الخليج، إن استحضار هذه اللحظات التاريخية يذكّرنا بأن الجغرافيا نفسها التي تُستخدم اليوم ساحة للتنافس يمكن أن تتحول إلى مساحة للتكامل إذا تغيّر منطق التفكير من إدارة الصراع إلى إدارة المصالح.
كما أن قراءة المشهد الإقليمي لا تكتمل دون الانتباه إلى تعدد القوى الفاعلة فيه؛ فإلى جانب إيران والغرب، هناك أدوار متنامية لقوى إقليمية مثل تركيا، فضلًا عن الأدوار العربية المختلفة سواء في الخليج أو المشرق. وهذه التعددية في مراكز القوة تجعل مستقبل المنطقة أكثر تعقيدًا، لكنها في الوقت نفسه تفتح إمكانات لتوازنات جديدة يمكن أن تقوم على التعاون الإقليمي بدل الصدام الدائم إذا ما أُحسن توظيف المصالح المشتركة بين هذه القوى.
لهذا فإن المطلوب اليوم ليس تحويل الخلاف إلى محبة، ولا إنكار الأخطاء أو تبريرها، بل إدارة الخلاف بعقلانية تمنع تحوله إلى كراهية دائمة أو صراع مفتوح. وهذه الإدارة لا تعني اتفاقيات كبرى معلنة فقط، بل تبدأ بخطوات عملية: تنسيق أمني لمكافحة الإرهاب لا يخترق سيادة الدول، مشاريع اقتصادية مشتركة في الطاقة والمياه والربط الكهربائي تعود بالنفع على جميع الأطراف، وحوارات إقليمية تهدف إلى خفض التصعيد بدل التصعيد المتبادل. إن نجاح تجارب محدودة مثل التعاون الثنائي بين بعض دول الخليج وتركيا في مجالات الدفاع والاستثمار، أو التنسيق الأردني – العراقي – المصري في ملف الكهرباء والصناعة، يثبت أن المصالح المشتركة قادرة على بناء جسور حتى في ظل خلافات سياسية قائمة.
يمكن أن نختلف مع سياسات إيران في دول عربية، كما يمكن أن نرفض ازدواجية المعايير في السياسة الدولية، لكن الحكمة تقتضي أن نزن الأمور بميزان العدل والمصلحة، فاستقرار المنطقة في النهاية مصلحة مشتركة لجميع شعوبها، وإذا أدركنا هذه الحقيقة يمكن أن نفتح الباب أمام مستقبل أكثر توازنًا، حيث لا تبقى المنطقة أسيرة دوائر الصراع والانقسام، بل تتجه نحو قدرٍ أكبر من الوعي والتعاون.
غير أن هذه الرؤية العقلانية للصراعات الإقليمية لن تكتمل دون النظر إلى البعد الداخلي. فالمواطن العربي الذي يعاني من البطالة، وتدهور الخدمات، وغياب العدالة الاجتماعية، لا يمكنه أن يتحمس لمشاريع إقليمية كبرى ما لم يشعر بأن هذه المشاريع ستنعكس إيجابًا على واقعه المعيشي. لذا فإن أي استراتيجية إقليمية ناجحة يجب أن ترتبط ببرامج تنموية طموحة تخلق فرص عمل، وتحسن البنية التحتية، وتعزز التعليم. كما أن تعزيز قيم المواطنة والحكم الرشيد داخل كل دولة عربية هو الضمانة الحقيقية لتحصين المجتمعات من الاختراقات الخارجية والصراعات بالوكالة. إن الوعي الشعبي الواعي بدوره يمكن أن يشكل ضاغطًا شعبيًا باتجاه السياسات العقلانية، ورفض خطاب الكراهية والتعبئة الطائفية التي تغذيها أطراف إقليمية ودولية لصرف الأنظار عن الإصلاح الحقيقي.
إن مستقبل المنطقة لا يُصنع فقط في غرف القيادة السياسية، بل يُصنع أيضًا في عقول ووجدان أجيالها الشابة، وفي قدرتها على تجاوز إرث الصراعات نحو رؤية مشتركة تقوم على الكرامة والتنمية والشراكة، إذا تمكنا من ذلك، فلن تكون المنطقة مجرد ساحة لتصفية الحسابات، بل فضاءً للتعايش والإبداع الإنساني.
ما هي الطرق البديلة لمضيق هرمز في تصدير النفط من المنطقة إلى العالم
الاحتلال يقرر إبقاء المسجد الأقصى مغلقا غدا الجمعة
الجيش الإسرائيلي يصيب فلسطينيين اثنين جنوب نابلس
لامين جمال يغيب "بشكل مفاجئ" عن مران برشلونة
العقل قبل الاصطفاف: قراءة في صراعات المنطقة ومصيرها المشترك
الملك وملك هولندا يؤكدان ضرورة وقف التصعيد في المنطقة
خام برنت يقفز الى أكثر من 100 دولار بعد تصريحات خامنئي
وزير الطاقة الأميركي: 415 مليون برميل الاحتياطي الاستراتيجي
الجيش الإسرائيلي: تحذير بالإخلاء لسكان منطقة الباشورة وسط بيروت
مذكرة تفاهم لتصميم المؤشر الوطني لتحديث القطاع العام
أمانة عمان: دفع المسقفات عبر تطبيق سند
الذنيبات: ارتفاع الطلب العالمي على الفوسفات الأردني
أعراض خفية تكشف تعرض الطفل للتنمر
خطوات سهلة لتنظيف الذهب في المنزل دون إتلافه
أنتِ بأمان تتصدر بعد هبوط طيارة أميركية في الكويت
هيئة الخدمة تنشر الكشف التنافسي التجريبي 2026 .. رابط
صدارة مسلسلات رمضان تشعل أزمة بين مي عمر وياسمين
هل تنبأ الذكاء الاصطناعي بهجوم إيران
جلسة حوارية في اليرموك عن تمكين المرأة
موعد التسجيل لامتحان الثانوية العامة 2026
مستقبل الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط ورقة سياسات يعدها مركز دراسات التنمية المستدامة في اليرموك
التنمية المستدامة في اليرموك يطلق برنامج "سفراء الاستدامة"
أي مستقبل ينتظر الأردن في مرحلة ما بعد الحرب
طرق التعامل مع الارتجاع المعدي المريئي خلال الصيام
الأمن العام: نتابع المحتوى الإعلامي والرقمي للتعامل مع الأنباء المضللة
الخروج إلى البئر عودة جمال سليمان في عمل تتنازعه الخطوط السردية
