دور الكنائس المسيحية في مقاومة المشروع الصهيوني
13-06-2026 11:19 PM
يمثل الوجود المسيحي في فلسطين أحد أقدم تجليات الحضور الإنساني في هذه الأرض؛ حضورٌ لم يبدأ كأقلية، بل كأصلٍ روحي انطلقت منه الرسالة المسيحية الأولى من القدس وبيت لحم. غير أن هذا الجذر التاريخي العميق يواجه اليوم خطر الاقتلاع. فمن مجتمع كان يشكّل نحو 12.5% من سكان فلسطين قبل نكبة 1948، لم يتبقَّ سوى أقل من 2%، في تراجع لا يمكن قراءته ديموغرافيًا فحسب، بل بوصفه مسارًا متدرجًا لإفراغ الأرض من أحد أقدم حراسها الروحيين. ليست هذه مجرد أرقام؛ إنها مؤشر على تحوّل بنيوي في هوية المكان، حيث لم يعد الاستهداف موجّهًا ضد شعب بعينه، بل ضد التعددية نفسها بوصفها خطرًا على مشروع أحادي مغلق يمتد من النيل إلى الفرات، ومن تركيا إلى مكة والمدينة.
تعود جذور هذا التحول إلى أواخر القرن التاسع عشر، مع صعود الحركة الصهيونية في أوروبا، التي لم تكن مجرد حركة قومية، بل مشروعًا مركبًا يجمع بين الاستيطان والسياسة واللاهوت. ومع وعد بلفور عام 1917، ثم قيام دولة إسرائيل عام 1948 وما تبعه من تهجير قسري لنحو 700 ألف فلسطيني، بدأت عملية إعادة تشكيل الأرض ديموغرافيًا وهوياتيًا. ولم يكن المسيحيون خارج هذا المسار، بل كانوا جزءًا أصيلًا من ضحاياه. إن توصيف "المشروع الصهيوني" بوصفه صراعًا سياسيًا فقط يُخفي طبيعته الأعمق؛ فهو في جوهره مشروع استيطاني إحلالي، مدعوم بسردية دينية، ومحمي بقوة سياسية دولية. هذا التداخل بين الدين والقوة هو ما يمنحه قدرته على الاستمرار، وما يجعل مقاومته تتطلب وعيًا يتجاوز الأدوات التقليدية، خاصة حين تدرك أن أطماعه لا تتوقف عند فلسطين، بل تشمل مقدسات إسلامية ومسيحية في القاهرة والموصل وأنطاكية والمدينة المنورة.
في هذا السياق، يصبح من الضروري التمييز بين مسيحيي فلسطين الأصليين، الذين يعيشون تحت الاحتلال، وبين ما يُعرف بالصهيونية المسيحية في الغرب. فالأولى تمثل امتدادًا تاريخيًا حيًا للأرض، بينما الثانية تشكل غطاءً لاهوتيًا للمشروع الصهيوني، حيث تُقدَّم الدولة كتحقيق لنبوءات دينية. هذا التحالف لا يدعم الاحتلال سياسيًا فقط، بل يعيد تعريف الإيمان ذاته ليصبح أداة تبرير للهيمنة.
على الأرض، تتجلى هذه البنية في وقائع يومية تنتمي إلى نمط واحد، وقد وثقتها تقارير اللجنة الرئاسية العليا لمتابعة شؤون الكنائس في فلسطين. ففي أبريل 2025، منعت الشرطة الإسرائيلية الفلسطينيين المسيحيين من الوصول إلى كنيسة القيامة في القدس، كما منعت سفير الفاتيكان لدى دولة فلسطين من دخولها، فيما قام متطرفون يهود بإغلاق الكنيسة وتعطيل الشعائر. وفي مايو 2026، اعتدى يهودي متطرف بعنف على راهبة مسيحية عند خروجها من كنيسة العشاء الأخير، في مشهد رصدته كاميرات المراقبة. أما بيت لحم، مدينة ميلاد المسيح، فلم تعد مجرد مدينة محاصرة، بل نموذجًا لكيفية خنق الجغرافيا لإعادة تشكيل التاريخ، حيث سجلت صور لدبابات إسرائيلية تمر أمام كنيسة المهد التي شهدت وقفات احتجاجية ضد سياسات الاحتلال. وتؤكد التقارير ارتفاعًا ملحوظًا في الاعتداءات على المسيحيين ومقدساتهم في القدس المحتلة والداخل الفلسطيني المحتل خلال عام 2025 بأكمله.
وفي غزة، حيث يتقلص الحضور المسيحي إلى حدوده الدنيا، أطلق القس منذر إسحاق تحذيرًا صريحًا من أن المسيحيين في القطاع مهددون بالانقراض بسبب الإبادة الجماعية المستمرة وسياسات الحصار. ليس فقط التهجير، بل احتمالية الانقراض هي ما يبرز الخطر في صورته الأكثر قسوة. هنا، لا يعود السؤال عن الحقوق فقط، بل عن بقاء الشهادة التاريخية نفسها.
رغم ذلك، لم يكن مسيحيو فلسطين يومًا خارج معادلة الفعل. فقد شكلوا جزءًا من النسيج المقاوم، ليس فقط سياسيًا، بل أخلاقيًا ولاهوتيًا. ففي عام 2025، نظمت بلدية بيت لحم وقفة احتجاجية أمام كنيسة المهد تنديدًا بجرائم التجويع في غزة. وتبرز وثيقة "كايروس فلسطين" (Kairos Palestine) التي أطلقها القيادات المسيحية عام 2009 بوصفها لحظة مفصلية، حيث أعادت تعريف المقاومة من داخل الإيمان، واستمرت في إصدار نداءات سنوية، كان آخرها نداء الفصح 2026. كما أن المبادرات الدولية، كبرنامج الصحبة المسكونية (EAPPI) التابع لمجلس الكنائس العالمي، ومنظمة Pax Christi International التي أرسلت وفدًا دوليًا في ديسمبر 2025، تسهم في نقل الرواية من الهامش إلى الفضاء العالمي. ومثلما أكد قداسة البابا تواضروس، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، أن القضية الفلسطينية تظل قضية مركزية للكنيسة القبطية، مطالبًا العالم بالتوقف عن سياسة المعايير المزدوجة.
في هذا الإطار، تكتسب الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس أهمية تتجاوز بعدها الرمزي، لتصبح منذ عام 1917 أحد آخر أشكال الحماية المؤسسية لهذا التوازن الديني الهش. فهي لا تمثل مجرد إدارة دينية، بل تعبيرًا عن نموذج تاريخي للتعايش، في مواجهة مشروع يسعى لإعادة تعريف المكان على أساس أحادي.
إن التحدي اليوم لا يكمن فقط في توصيف الانتهاكات، بل في بناء استجابة تتناسب مع طبيعة المشروع ذاته. وهو ما يفتح المجال أمام تعاون إسلامي مسيحي يتجاوز الشعارات إلى الفعل، من خلال قنوات تواصل حقيقية مثل اللجنة الرئاسية العليا لمتابعة شؤون الكنائس في فلسطين (HCC-PLO)، ومجلس كنائس الشرق الأوسط، ومبادرة كايروس فلسطين. وتتجلى مجالات هذا التعاون في: خطاب إعلامي مشترك يكشف زيف ادعاء حماية الأقليات، مسنودًا بتوثيق قانوني بالتعاون مع مؤسسات كمركز بالاسان لحقوق الإنسان (Balasan Initiative)؛ وتحرك دبلوماسي يعيد القضية إلى بعدها الأخلاقي العالمي؛ ودعم ميداني يعزز صمود الوجود المسيحي في القدس وبيت لحم والضفة وغزة، عبر إعادة إعمار الكنائس المستهدفة ودعم مؤسساتها التعليمية والصحية؛ وتأصيل لاهوتي مشترك يفضح الصهيونية كنظام عنصري، ويحيي نموذج "العهدة العمرية" كأصالة إسلامية في حماية المقدسات المسيحية.
لأن المعركة، في جوهرها، ليست فقط على الأرض، بل على معنى الإيمان نفسه. فحين تستهدف كنيسة القيامة وكنيسة المهد، لا يمس ذلك المسيحيين وحدهم، بل يُضرب في عمق الضمير الإنساني. فهذه الأماكن ليست رموزًا دينية فحسب، بل شواهد على تاريخ مشترك للإنسانية. والدفاع المشترك عنهما يشكل نقطة التقاء كبرى تمتلك القدرة على تعبئة الرأي العام العالمي، لأن الاحتلال، رغم إدراكه للحساسية الدولية، لا يتورع عن تقييد الوصول إليهما ومنع المصلين من أداء طقوسهم.
وفي النهاية، لا يمكن النظر إلى مسيحيي فلسطين كأقلية تحتاج حماية، بل كجزء من أصلٍ حضاري يُراد اقتلاعه ضمن مشروع توسعي لا يعترف بحدود. الدفاع عنهم ليس تضامنًا طائفيًا، بل دفاع عن فكرة أن هذه الأرض تمتد من نهر النيل إلى الفرات، ومن سواحل تركيا حتى مكة والمدينة، وأنها تتسع للجميع، وأن الإيمان لا يمكن أن يتحول إلى أداة إقصاء. لقد آن الأوان لتعزيز هذا التعاون الإسلامي المسيحي الرسمي والشعبي من أجل إنقاذ ما تبقى من الوجود المسيحي في فلسطين، وحماية المقدسات من عبث الاحتلال ومخططات التهويد. حين تُغلق أبواب كنيسة القيامة في وجه أهلها، لا يكون المسيحيون وحدهم خارجها… بل يُترك الضمير الإنساني كله واقفًا على العتبة.
حسام راضي يحصل على درجة الماجستير بامتياز
سموتريتش يدعو لتدمير 10 مبانٍ في بيروت رداً على إطلاق نار شمال إسرائيل
زلزال بقوة 5.2 درجة يضرب منطقة جيريرو بالمكسيك
فيلم بنات عبدالرحمن: تفكيك الصمت والهروب من السجن
موكب أردني لمدة 8 ساعات دعماً للنشامى في المونديال
خوخي ينقذ قطر بتعادل قاتل أمام سويسرا في افتتاح المونديال
طقس معتدل الأحد مع درجات حرارة دون المعدلات
جدل في إيران حول بنود مذكرة تفاهم محتملة مع واشنطن
الفئات التي تشملها العطلة الرسمية في الأردن غداً
زيادة 30 ديناراً على رواتب موظفين ومتقاعدين مدنيين وعسكريين
انخفاض الذهب بالتسعيرة الثانية محلياً
الأمن يكشف تفاصيل جريمة مروعة في عمّان
صاروخ يسقط في الذنيبة شمال الأردن .. صور وفيديو
الفئات التي لا تشملها الزيادة الجديدة على الرواتب
إحالة 9 عمداء و16 عقيدا من ضباط الأمن العام إلى التقاعد .. أسماء
قفزة هائلة بأسعار الذهب محلياً اليوم
قرارات جديدة تتعلق بالتكسي الأصفر والتطبيقات الذكية
إرادة ملكية بترفيع عدد من ضباط الجيش والأجهزة الأمنية .. أسماء
التربية تدعو المرشحين لوظيفة معلم حقل للتقدم للاختبار التنافسي
700 دونم من القمح رمادًا في اربد والمزارعون يطالبون بإصدار شهادات المنشأ
اعتراض وإسقاط 5 صواريخ أطلقت من إيران باتجاه الأزرق
دوي صفارات الإنذار في العقبة تزامناً مع اعتراض مسيّرة فوق إيلات .. فيديو


