ما بين سيزيف وترامب وإيران .. مفاوضات لا تصل إلى القمة

ما بين سيزيف وترامب وإيران ..  مفاوضات لا تصل إلى القمة

13-06-2026 01:07 PM

يلحظ المتابع للأحداث أن دونالد ترامب يطلّ بين حين وآخر معلنًا اقتراب التوصل إلى اتفاق جديد مع إيران، ثم لا يلبث أن ينقلب على هذا المسار عبر التهديد أو التصعيد العسكري، قبل أن يعود مجددًا إلى لغة التفاوض. وكأننا أمام نسخة معاصرة من أسطورة سيزيف الذي حُكم عليه دفع صخرة إلى قمة جبل، وما إن يبلغها حتى تتدحرج إلى السفح ليبدأ من جديد. إنها دائرة تبدو أقرب إلى سياسة تقوم على إدارة الذعر واستثمار مشاعر انعدام الأمن والقلق، بما يخدم الرؤية اليمينية التي يتبناها ترامب.
وقد تجلّى ذلك في لجوء الإدارة الأمريكية إلى ضرب إيران بذريعة استهداف طائرة أباتشي أمريكية بمسيّرة إيرانية منخفضة الكلفة. وحين ردّت طهران باستهداف قواعد أمريكية في المنطقة ضمن ما وصفته بـ«رسالة عسكرية محددة الأهداف»، عاد ترامب للحديث عن اتفاق جديد، في ظل موقف إيراني اتسم بطول النفس والقدرة على المناورة السياسية.
وتشير البنود المتداولة للاتفاق إلى مطالب تُعد أقرب إلى الرؤية الإيرانية، من بينها وقف العمليات العسكرية على مختلف الجبهات، بما فيها الجبهة اللبنانية، وإطلاق مشاريع إعمار تتجاوز قيمتها 300 مليار دولار، واحترام السيادة الإيرانية، ووضع جدول زمني لرفع العقوبات الاقتصادية، ومنح تراخيص تسمح بتصدير النفط الإيراني بحرية أكبر.
كما تتضمن التصورات المطروحة ربط الاتفاق بانسحاب الجيش الإسرائيلي من المناطق المحتلة في جنوب لبنان ضمن إطار تهدئة إقليمية أوسع، وهو ما يتعارض مع التوجهات التوسعية الإسرائيلية. وتحدثت مصادر إيرانية أيضًا عن ملفات تتعلق بمضيق هرمز، ورفع القيود عن الموانئ الإيرانية، وإعادة انتشار القوات الأمريكية في المنطقة.
في المقابل، يواصل ترامب الحديث عن اتفاق يقوم على شروط أمريكية صارمة، أبرزها تفكيك البنية التحتية للبرنامج النووي الإيراني، والتخلص من مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، ووقف الدعم الإيراني لحلفائها الإقليميين، مع ربط أي تخفيف للعقوبات بالتزام طهران الكامل بهذه الشروط.
ورغم التباعد الواضح بين الرؤيتين الأمريكية والإيرانية، تتحدث تقارير دبلوماسية عن جهود وساطة تقودها أطراف إقليمية ودولية لصياغة مذكرة تفاهم قد تشكل إطارًا أوليًا لتسوية أوسع.

*ترامب بين المطرقة والسندان
يبدو أن الرئيس الأمريكي يواجه ضغوطًا متزايدة من تيارات متنافسة داخل إدارته والحزب الجمهوري بشأن كيفية إدارة المواجهة مع إيران. فبينما يشير إلى أن أهداف الحرب أوشكت على التحقق، يحرص في الوقت ذاته على الإبقاء على هامش من المرونة السياسية لإرضاء الأطراف المختلفة.
وبحسب صحيفة «التايمز» البريطانية، يرى جناح «الصقور» في الإدارة، ومنهم المستشار بيتر نافارو، ضرورة مواصلة الضغط على إيران وتقليص تأثيرها في أسواق النفط العالمية، باعتبار ذلك مدخلًا لخفض المخاطر الجيوسياسية وتحقيق استقرار أكبر في أسواق الطاقة.
في المقابل، يدعو تيار آخر، يضم شخصيات مثل سوزي ويلز وديفيد ساكس، إلى التهدئة وإعلان تحقيق الأهداف العسكرية، تمهيدًا للخروج من الحرب والتركيز على الملفات الداخلية، وفي مقدمتها الاقتصاد وتكاليف المعيشة قبيل الاستحقاقات الانتخابية.
أما ترامب، فيحاول الموازنة بين هذين الاتجاهين؛ فهو يلمّح إلى قرب انتهاء المهمة، لكنه يرفض الحديث عن انسحاب متسرع، مؤكدًا أن «المهمة يجب أن تُستكمل» قبل طي صفحة المواجهة.

*مبررات انعدام الثقة بين طرفي النزاع
تعزز التصريحات الأمريكية والإيرانية المتبادلة حالة انعدام الثقة بين الطرفين. فقد توعد ترامب إيران بقصف واسع النطاق، ولوّح بالسيطرة على مواقع استراتيجية مرتبطة بإنتاج النفط والغاز، بما فيها جزيرة خارك، كما تحدث عن تشديد الضغوط العسكرية والاقتصادية على طهران.
وفي المقابل، حذرت القيادة الإيرانية من أن أي هجوم أمريكي جديد سيقود إلى رد أكثر اتساعًا وقوة، مؤكدة استعدادها للتصدي لأي عدوان محتمل. كما شدد رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، على أن السياسات الأمريكية قد تدفع المنطقة إلى «مأزق بلا نهاية».
والمفارقة أن ترامب ما يلبث أن يلوّح بالتصعيد حتى يعود للحديث عن فرص التفاوض ورفع مستوى الاتصالات السياسية، الأمر الذي يعمّق الشكوك بشأن جدية المسار التفاوضي واستقراره.

*إيران غير متفائلة... والصخرة تسقط مجددًا
أكدت القيادات العسكرية الإيرانية أن أي اعتداء جديد سيُقابل برد أشد، وأن أمن الطاقة والملاحة في المنطقة مرتبط بأمن إيران ومصالحها. وفي ظل استمرار التوترات العسكرية وتبادل الرسائل السياسية الحادة، تبدو فرص التوصل إلى اتفاق نهائي محفوفة بالعقبات.
كما تعكس تصريحات الوسطاء الإقليميين قدرًا من التشاؤم، رغم استمرار الجهود الدبلوماسية. فكلما بدا أن المفاوضات تقترب من تحقيق اختراق، أعادت التطورات الميدانية والتصعيد المتبادل الأمور إلى نقطة البداية.
وهكذا تبدو العلاقة بين واشنطن وطهران وكأنها نسخة معاصرة من أسطورة سيزيف؛ فكلما اقتربت الصخرة من القمة، سقطت مجددًا إلى السفح. وبين التهديد والتفاوض، والتصعيد والتهدئة، تستمر الدائرة ذاتها في الدوران، فيما يبقى الاتفاق النهائي مؤجلًا، وتظل المنطقة رهينة معادلة لم تنجح بعد في الوصول إلى القمة.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد