"​حافة الهاوية"

"​حافة الهاوية"

13-06-2026 11:18 PM


​يثير خبرُ وفاةِ مغامرٍ أثناء محاولته تسلقَ مرتفعٍ شاهقٍ أو ممارسة رياضةٍ خطرةٍ جدلاً واسعاً؛ فبينما يراه البعض تهوراً يفتقر إلى الحكمة، يراه آخرون بحثاً مريراً عن التميز. لكن، إذا أمعنا النظر في هذا السلوك من زاوية سوسيولوجية ونفسية، سنجد أنه أبعد ما يكون عن مجرد "هواية"، بل هو صرخة وجودية في عالمٍ يفتقر إلى اليقين والثبات.

​حين يتجاوز الخيالُ حدودَ الشاشة ، ​لا تبدأ الرغبة في المخاطرة عند قمة الجبل، بل تبدأ في الطفولة المبكرة أمام شاشات الرسوم المتحركة. فالطفل، الذي يفتقر في سنواته الأولى للقوة والقدرة على السيطرة، يجد في "البطل الخارق" نموذجاً مثالياً يطمح للتماهي معه. إن هذا التماهي ليس مجرد تسلية؛ بل هو بحثٌ عن "قوة تعويضية" تمنحه شعوراً بالقدرة على خرق قوانين الطبيعة وقهر الصعاب.
​المعضلة تكمن في أن هذا "الاستبطان" لأدوار البطولة لا يتلاشى دائماً مع نضج الإنسان. فعندما يصطدم الشاب بواقعٍ مليء بالضغوط أو الشعور بالتهميش، يستدعي اللاوعي لديه تلك الأنماط البطولية القديمة. وهنا، يتحول تقليد الحركات البهلوانية الذي كان يمارسه الطفل في غرفته إلى "رغبةٍ جامحة" في إثبات البطولة في العالم الحقيقي، حيث يظن الشاب أنه بانتصاره على الجاذبية أو الخطر، سيحقق ذات "النهاية السعيدة" التي كان يحققها البطل الكرتوني دائماً.

​في قلب هذا البحث عن البطولة، يبرز سلوك "الكتابة على الجدران" أو "حفر الأسماء على الصخور" كفعلٍ سوسيولوجي عميق. إن هذا الفعل ليس مجرد تشويه للمكان، بل هو "محاولة لترك أثر" في عالمٍ سريع الزوال. عندما يشعر الفرد بأنه غير مرئي في مجتمعه، أو أنه مجرد رقمٍ عابر، فإنه يحفر اسمه في أماكن صعبة الوصول، كنوعٍ من "التوقيع على الحياة". حفرُ الاسم على صخرةٍ صماء ليس إلا محاولةً لقهر الفناء، وتحويل الطبيعة إلى شاهدٍ حيٍّ على وجوده، تماماً كما كان بطل الكرتون يترك علامته حيثما حلَّ.

​إن لجوء الشباب إلى المخاطرة هو، في جوهره، "تعويضٌ" عن غياب الأدوار البطولية البناءة التي توفرها المؤسسات الاجتماعية. عندما يُحصر نجاح الفرد في قوالب أكاديمية أو مهنية ضيقة، يبدأ في ابتكار تحدياتٍ خاصة به. هنا، تصبح المخاطرة "مشروعاً لإدارة الذات"؛ ففي لحظة التسلق، يمتلك الفرد قراره بالكامل، ويحول الخطر من "قدرٍ مجهول" إلى "تحدٍ واعٍ". لقد أصبح البحث عن الإعجابات الرقمية والمشاهدات اليوم وقوداً إضافياً لهذه الظاهرة، حيث أصبح "رأس المال الاجتماعي" يُقاس بمدى قدرة الفرد على الوقوف في أماكن لا يجرؤ الآخرون على بلوغها.

​خاتمآ :
​إن ظاهرة التسلق الخطير، وما يرافقها من نقشٍ للأسماء، هي ناقوس خطرٍ يخبرنا بأننا أمام جيلٍ يبحث عن "المعنى" في غير أماكنه التقليدية. إن مسؤولية المجتمع لا تكمن في قمع هذه السلوكيات فحسب، بل في استيعاب الدوافع الكامنة خلفها. نحن بحاجة إلى خلق مساراتٍ جديدة تتيح للشباب إثبات ذواتهم، وتفريغ طاقاتهم في مشاريع بناءة تمنحهم الشعور بالتميز والبطولة، بعيداً عن حافة الهاوية.
​فالإنسان بطبعه كائنٌ يبحث عن المعنى؛ فإذا لم يجده في "البناء والنمو"، سيبحث عنه بالتأكيد في "المخاطرة"، وسيحفر اسمه حيث يراه الجميع، حتى لو كان ذلك على حافة الموت.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد