قطار العمر

قطار العمر

30-10-2022 02:36 PM

ينطلق قطار العمر من محطة الغريزة والفطرة، تلك البرمجة التي يسير عليها كثير من المخلوقات، وسرعان ما يبدأ القطار الصغير يجر خلفه قاطرات يكتسبها من بيئته، لتكبر يوما بعد يوم، ويزداد حملها الثقيل، وتتناقص سرعته مع مرور الوقت، وتتداخل برامج الغريزة والفطرة مع البرامج المكتسبة، فيتطور بعضها إلى الأفضل، وبعضها يكون بمثابة الفيروس الذي يدمر البرامج الأخرى، وينتج برامج خبيثة.

ومن محطة الغريزة إلى محطة البراءة، كما هي مغامرة قطار الرعب في العالم الافتراضي، يسير حينا ببطء يتسلق مرتفع، ثم سرعان ما ينطلق بتسارع كبير على منحدر مخيف، تفاجئك على طول الطريق مناظر جميلة، ثم مخلوقات مرعبة، ومطبات وحفر، ومن محطة إلى محطة، ومن مرحلة إلى مرحلة.

تمر مرحلة الطفولة متسارعة، تتناقص فيها البراءة يوما بعد يوم، ويسيطر فيها الاكتساب على الغريزة والفطرة، لتكتشف بعد إذن أن اللعبة التي كنت تستمتع باللعب فيها، جعلت منك الحياة تلك اللعبة، والتي راحت تلعب بك، الفارق أن تلك اللعبة في الصغر لا تملك أحاسيس ولا مشاعر، بينما أنت قد أُتخمت بالأحاسيس والمشاعر والتي تشتعل كما النار في الهشيم.

وأن أقرانك الذين كنت تلعب معهم، تضحكون تارة، وتبكون أخرى، تتنافسون من يسبق أولا، أو من يجد الآخر في لعبة الاختباء، ومع عبور مراحل متقدمة من محطات القطار، أن الحياة قد أخذت بكم بعيدا حتى لم يعد أحد قادر على أن يجد أحدا، وأن لعبة الاختباء أصبحت متاهة مرعبة، وأن الحياة هي وحدها من يقول لك: كومستير! وأن السباق أصبح مليئا بالرعاة وأصحاب الرهان، وجمهور عريض تتنازعه المصالح، والطريق مليئة بالحفر والمطبات من الحسد والتناجش والتباغض والظلم والخذلان، وأن الابتسامة قد ضاعت وسط تلك العواصف من الفقد والقهر والمفاجآت، وبين الفينة والأخرى تسرق ضحكة من طفل، ابن أو حفيد، يذكرك ضحكات الطفولة.

وحين تعبر مرحلة الخمسين، تتغير لديك الكثير من الاهتمامات والمفاهيم، ما كان يثير اهتمامك في طفولتك وشبابك، لم يعد كما كان، تميل إلى العزلة والبعد عن كثير من الزيف والتمثيل والأكاذيب، ما كنت تسمعه من قصص وأساطير من والديك لتنام، أصبح حقائق تسرق من عينيك النوم، بقدر ما تكون قد مررت بأحداث وتجارب تجعلك أصلب وأقوى، بقدر ما تكون قد أُثقلت، فربما حدث بسيط يكون هو القشة التي تكسر ظهر البعير، فرفقا بالكبار أيها الشباب.

لا أدري ماذا تحمل مراحل الستين والسبعين، ولكن أدرك بأن قطار العمر سيتوقف يوما في محطته الأخيرة، وسكة الحياة لا تتوقف، تدور عجلاتها لتكتشف أن قطارك ليس هو من يسير، ولكنها الحياة تُسيّره كما الأفعوانية في مدن الألعاب، تدخلها متحمسا، تبهرك ثم سرعان ما ترعبك، وبين حماس وانبهار ورعب تسير بك الحياة.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

المعونة الوطنية وقرى الأطفال يوقعان اتفاقية تعاون مشترك

المياه تطلق مشروعا لتعزيز الأمن السيبراني وفق معيار ISO

الذهب عيار 21 يسجّل ارتفاعًا في السوق المحلية

266 ألف طالب مسجلين على منصة سراج

بلدية برما تطرح عطاء لتأهيل طريق خشيبة التحتا بعجلون

استجابة لرؤية ولي العهد .. وزارة الثقافة تُطلق مشروع السردية الأردنية

التربية: تحديد ساعات دوام المدارس الخاصة في رمضان متروك لإداراتها

اتحاد كرة اليد يطلق هوية بصرية جديدة

استشهاد فلسطيني وإصابة آخر بقصف للاحتلال على بيت لاهيا

جنوب إفريقيا تسحب قواتها من بعثة حفظ السلام في الكونجو الديمقراطية

الرئيس الإيراني: المحادثات التي جرت مع واشنطن تمثل خطوة إلى الأمام

إصابة شابين برصاص الاحتلال على حاجز قلنديا شمال القدس

مبادرة النيابية تشيد بإنجازات شركة الفوسفات الأردنية ونتائجها المالية القياسية

أمانة عمّان: استبدال أكثر من 32 ألف وحدة إنارة ذكية في الجزر الوسطية

الأمن العام يوضح تفاصيل فيديو دهس رجل أمن في جرش