قراص العيد بين الماضي والحاضر

قراص العيد بين الماضي والحاضر

18-03-2026 01:23 AM

يعتبر يوم عيد الفطر السعيد من المناسبات الدينية التي ينتظرها المسلمون بعد الانتهاء من شهر رمضان، ويتخلل هذا اليوم المميز عادات اجتماعية جميلة. ومع مرور الزمن حصلت تغييرات على مظاهر الاحتفال للعيد "بين الماضي والحاضر" بسبب تطور الحياة والتكنولوجيا. ورغم هذه التغييرات ما زالت بعض الأمور ثابتة مثل صلاة العيد، اجتماع العائلة، وإدخال الفرحة على قلوب الأطفال.
في الماضي؛ كان العيد بسيط جميل، وأكثر ألفة بين الناس. يجتمع الناس في المساجد لأداء صلاة العيد ثم يزورون الأموات في المقابر، ثم تبدأ جولة صلة الرحم والجيران والمعارف. ومع غروب شمس اليوم الأخير من رمضان "ليلة العيد" تجتمع الأمهات والجارات لتجهيز قراص العيد "خبز العيد" ، ويتم توزيع القراص أيضا على المنازل ليشمل القرية بأكملها عن أرواح موتانا وموتى المسلمين "فمكان من يفارقنا لا يغيب". وكعك العيد، ذلك النوع من الحلويات الذي لا نستطعم نكهته إلا في يوم العيد، واللزاقيات" كنافة البدو" ، هذا الصنف الذي يحضر من الطحين ويدهن بالسمن البلدي أو زيت الزيتون ويرش بالسكر والزبيب، ويتم توزيعه أيضا عن أرواح موتانا وموتى المسلمين، وجميعها يتم تحضيرها يدويا "حلويات تقليدية" .
وفي صباح العيد تفوح رائحة البخور و القهوة والهيل من البيوت. ويعد أيضا نقش الحناء في العيد من أجمل العادات والتقاليد التي تضفي لمسة الفرح والبهجة، خاصة بين النساء والفتيات. مع اقتراب العيد تبدأ الاستعدادات بتزيين الأيدي والأقدام بنقوش الحناء التي ترمز إلى الجمال والاحتفال. وتعد حنة الشعر من أقدم وسائل العناية الطبيعية بالشعر، ولا تزال تحظى بشعبية كبيرة حتى اليوم، خاصة في المناسبات مثل العيد، حيث تسعى الكثير من النساء لتجديد إطلالتهن بطريقة صحية وآمنة. ولا يقتصر جمال الحناء على شكلها فقط، بل يمتد إلى طقوسها الاجتماعية؛ فهي فرصة للتجمع وتقوية الروابط بين الأهل والأصدقاء والجيران. ويبقى نقش الحناء من أبرز مظاهر الاحتفال بالعيد، يجمع بين التراث والأناقة، ويمنح اللحظات طابعا لا ينسى مليئاً بالجمال والسرور. كما أن رائحتها المميزة ولونها الدافئ يضيفان إحساسا خاصا بالعيد لا يكتمل بدونه.
وكما يقال قديما "العيد للأطفال"، توجد طقوس خاصة للأطفال تبقى في ذاكرتهم ولا تختفي على مر الأزمنة، إذ يعد هذا اليوم دروسا تعليمية للطفل بشكل غير مباشر، فيتعلم: احترام وقت الصلاة، الشكر على العبادة، الاهتمام بالنظافة، وكذلك صلة الأرحام، استقبال الضيف، احترام الجار، احترام الكبير، والعطف على الصغير، وغيرها. ويسعد الأطفال حينما يقضون وقتهم باللعب في الحارات والحصول على العيدية سواء كانت نقدية أو حلويات العيد الطيبة وما شابه ذلك. وكانت العلاقات الاجتماعية قوية والزيارات كثيرة.
أما في الحاضر فقد تغيرت بعض العادات بسبب نمط الحياة الحديثة، فالكثير من الناس يرسلون تهاني العيد عبر وسائل التواصل الاجتماعي بدل الزيارات المباشرة. وكذلك يعتمد الكثير من الناس على شراء الحلويات من الأسواق جاهزة بدل إعدادها في البيوت، وأصبحت المراكز التجارية والأسواق هي الأماكن التي يقصدها الناس للترفيه في يوم العيد. وشهد نقش الحناء في السنوات الأخيرة تحولا واضحا في طبيعته، فبعد أن كان تقليدا اجتماعيا بسيطا يجمع الأهل والجيران في أجواء مليئة بالفرح، أصبح اليوم مشروعا تجاريا قائما بحد ذاته، له أسعاره وخدماته وتكاليفه التي تضاف إلى مصاريف العيد.
ما بين الماضي والحاضر يبقى العيد "عيد"، مناسبة دينية جميلة تجمع الناس على الفرح والمحبة حتى وإن اختلفت بعض طرق الاحتفال به مع مرور الزمن. لكن تأثير الحروب على مظاهر العيد وفرحته للمسلمين أكثر من التأثيرات التي تحصل بين الماضي والحاضر.
ممكن تتساءل كيف ذلك؟ وهل النزاعات بين البلدان تؤثر على فرح المسلمين حتى لو كانت أياما معدودة؟ وحينما يقترب موعد العيد مترافقا مع أصوات الحروب وصفارات الإنذار يبرز هنا سؤال آخر: هل يمكن للعيد أن يبقى عيد وسط كل هذا؟ في أوقات الحروب تتغير أجواء العيد وتختفي بهجته بشكل كبير بسبب الظروف الصعبة التي يعيشها الناس وتتعب نفسيتهم، فيصبح الشخص عاجزا عن الحركة، قلقا، متخوفا ومرهقا من كثرة التفكير، فجميع الأمور تتفاقم عليه وتثقل كاهله من الأوضاع المعيشية الصعبة، الفقر وقلة الموارد، مما يجعل كثير من العائلات غير قادرة على شراء الملابس الجديدة أو تحضير الحلويات الخاصة بالعيد.
حتى قراص العيد "خبز العيد" الذي يتميز برائحة زيت الزيتون، المكون الأساسي لتحضيره، سوف يصبح من الماضي، فالزيت الذي كان أساسيا في البيوت اليوم أصبح وجوده حلما فيها. وأيضا الواقع مثقل بالحروب وتعكر صفارات الإنذار لحظات الفرح وتسرق الطمأنينة وتزرع القلق. والطائرات والصواريخ التي تحلق في السماء جميعها سوف تغير من شكل العيد وتهز مظاهره وتجعل العيد حزينا لدى كثير من الناس وخاصة الأطفال. فيصبح الاستعداد للعيد مختلفا بالتفكير في الأمان، وفي كيفية حماية الأحبة.
لكنها لا تستطيع إلغاء معانيه الإنسانية والدينية أو منع الأمل والفرحة الداخلية. الحقيقة إن صفارات الإنذار سوف تغير من ملامح العيد، لكنها لا تستطيع أن تلغي معناه. فالعيد ليس مجرد مظاهر خارجية، بل هو شعور داخلي بالأمل والسلام والأمان، ورغبة في التمسك بالحياة رغم الظروف. وفي هذه الظروف يصبح العيد فعل مقاومة هادئ؛ مقاومة للحزن والخوف وإصرارا على استمرار الحفاظ على بسمة الأطفال. إذا تبقى هناك لحظات صغيرة نصنعها بأنفسنا: ابتسامة طفل، دعاء صادق، ولمة بسيطة. صفارات الإنذار لا تلغي العيد بل تذكرنا كم نحن بحاجة إلى السلام. فالعيد الحقيقي هو ذاك الذي نخلقه بقلوبنا، مهما كانت الظروف من حولنا قاسية.
نسأل الله أن يديم الأعياد ويعم الأمان والفرح بكل بقعة من بلاد المسلمين، وأن تعود الأعياد علينا بالطمأنينة، وأن يجعلها الله أيام خير ورحمة وسكينة للجميع اللهم . أفراحا تزيل الهموم، ومسرات تمحو الغموم، في كل ساعة، وليل ويوم؛ يا كريم، يا حي يا قيوم.
كل عام وقلوبكم أقوى من الخوف، وأقرب للأمل.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

النقل المدرسي… خطوة رائدة نحو تطوير التعليم وتعزيز أمان الطلبة

حكومة دبي: الأصوات المسموعة نتيجة الاعتراضات الجوية

ريال مدريد يعبر مانشستر سيتي إلى ربع نهائي دوري الأبطال 

الداخلية البحرينية تعلن تشغيل صفارات الإنذار وتدعو للهدوء

قراص العيد بين الماضي والحاضر

تجدد القصف الصاورخي الإيراني على إسرائيل فجر الاربعاء

نحو تعليم يبني الإنسان لا الأرقام

أسعار البنزين في أميركا عند أعلى مستوى منذ أكتوبر 2023

الكاف يحسم الجدل: خسارة السنغال نهائي أمم إفريقيا بالانسحاب ومنح اللقب للمغرب

‏الأزهر يدين استمرار الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج

نتنياهو: ضرباتنا للإرهابيين تمهّد للاحتفال بالنيروز في إيران

اتفاق بين بغداد وأربيل لاستئناف صادرات النفط عبر ميناء جيهان

ستاندرد آند بورز تضع التصنيف السيادي للعراق تحت المراقبة السلبية

النفط يرتفع بأكثر من 3% عقب تجدد الهجمات الإيرانية على الإمارات

انفجار قرب السفارة الأمريكية في بغداد بطائرة مسيرة محملة بالمتفجرات