التّعليم المدرسي .. الواقع والمأمول

mainThumb

13-11-2022 05:12 PM

أزعمُ، في حدود خبرتي، أنّ مُشْكل المشكلات التي نعاني منها كمجتمعات عربيّة هو تصورنا الخاطئ حول وظيفة المدرسة، وهو أنَّ المدرسة منوط بها وظيفة واحدة، وهي رفد الجامعات بطلاب الطّبّ والهندسة والعلوم الطبيعيّة والإنسانيّة، وحتى يتأتى ذلك، لا بدَّ أنْ يحصل الطّالب على (رَقَم) معيّن يؤهله للدخول إلى الجامعة ابتداء من 65% أو أقل بقليل إلى 100%، ولكلِّ رقم تخصص محدد. وبالتّالي، أصبح معيار الصّلاح والنّجاح عند الطّلبة أنفسهم وأولياء أمورهم تحديدا، وعند المعلم والإدارة التعليمية أيضا، هو رقم؛ أيّ أنّ الإنسان كقيمة هو (رَقَم)، وعلاقته بوجوده وعدمه يطّرد مع الرّقم، كلما ارتفع الرقم ارتفع صاحبه، والعكس صحيح، بغضّ النّظر عن: أخلاقِه، قِيَمِه، هُويّته، تربيتِه، سلوكِه، تفكيره، منطقِه، نظرته للحياة والوجود، ثقته بنفسه، بنائِه لذاته، إنتاجه للمعرفة، صدقِه، أمانتِه، حريتِه، كرامتِه، أهميته كإنسان، مبدأه، مروءتِه، وغير ذلك الكثير مما يدخل في بنائه الإنسانيّ.
وفي ظلّ غياب كلّ ما سبق، من بنائه الإنسانيّ، فإننا أصبحنا نشاهد-غالبا- طبيبا فاشلا، جشعا، منفعيا، لا يحترم مراجعه، ويتعامل معه كورقة نقديّة، لا ينتج معرفة، ويشرب السّجائر في عيادته، ويرمي نفايته من سيارته في الشّارع العام، لا يفكر بمنطق في أيّ قضية من القضايا، يسيء لزملائه حسدا وبغضا وكراهية، وقد يستخدم العنف الجسديّ لمن يناقشه أو يحاوره، وقل مثل ذلك في المهندس والمعلِّم والممرض والأستاذ الجامعيّ وخطيب المسجد والقاضي، وفي كلّ طبقات المجتمع و وظائفهم ومهنهم وأعمالهم –إلا ما رحم ربي-. وفي هذا السّياق، فقد أدّت المدرسة نقيضَ ما أسِّسَت من أجله، وأصبحت مصدرا للخراب والتّجهيل والفساد والتّخلف.

وهذا بلا شكّ، نراه أيضا، عند بعض المبدعين، من شعراء وروائيين ورسّامين ونحاتين وموسيقارين وممثلين ومسرحيّن وكُتّاب، إذْ الأصل فيهم وفي إبداعهم الإنسانيّة بكلِّ أبعادها، وهو ما نراه غائبا عند الكثير منهم، مع الأسف والحزن الكبير.
فالمدرسة ليست للتّحصيل العلميّ فحسب، بل هو من نافل مهامها الأساسيّة؛ إذْ إنّها المسؤولة عن إنتاج إنسان صالح، أخلاقيّا وسلوكيّا وفكريّا ونفسيّا وعاطفيّا، إنسان مدرك لقيمته كإنسان، إنسان يعرف حقَّ المعرفة بحقوقه و واجباته، إنسان مدرك لنظرته للإنسان الآخر، إنسان واع لوجوده وآخرته، إنسان يعرف مواهبه ومهاراته وإبداعه ويعرف كيف ينميِّها، إنسان يعرف أهدافه وطموحاته واتجاهاته، هذه هي مسؤوليّة المدرسة بالدرجة الأولى، ليظهر مجتمع سليم معافى من كلِّ الآفات والأمراض النفسيّة والأخلاقيّة. وهكذا، فالمدرسة، أساسا، لا بدّ لها أن تكون جابرة لكلّ ما كُسِر من خارجها، أن تكون ناصرة لكلّ مهزوم، أن تكون معالجة لكلّ مريض، أن تكون عادلة مع كلّ مظلوم، المدرسة هي مصنع الإنسان بوصفه إنسانا لا بوصفه سلعةً تُباع وتُشترى، سلعة تنخفض وترتفع بناء على العرض والطّلب كـ(بزنس).
ساعتئذ، سنرى أُمّا ناجحة وأمينة على تربية أولادها، وكذلك أَبا حنونا رحيما بأبنائه، وابنا بارّا مطيعا لوالديه، وأخا مساندا ومحبا لإخوانه وأخواته. وسنرى نجّارا صالحا ماهرا أمينا مخلصا، وقل مثل ذلك في الحداد والبنَّاء والدّهين والمواسرجي والكهربجي والسّاعاتي والسّكافي وعامل النّظافة في الأحياء والمرافق العامة والمستخدم والمزارع والميكانيكي والتّاجر والجزّار والخضري، ومواطنا وفيّا لوطنه وترابه يدفع عنه بنفسه كلَّ شر وعدوان .
أمّا أنْ يتحول التّعليم والتّعلم في أغلب الدّروس المدرسيّة، وفي ما يُعرف بالدّروس الخصوصيّة، إلى (س-ج)، من خلال اختزال المقرر الدّراسي إلى مجموعة أسئلة وأجوبة فقط، فيحفظ الطّالب السّؤال والجواب لكلّ الاحتمالات الممكنة لأسئلة المقرر، دون أنْ يتعلم الطّالب التّفكير النّاقد ولا حلّ المشكلات ولا الاستنتاج ولا التّحليل ولا التّركيب ولا التّقييم ولا الابتكار والإبداع ولا التّعلم التّعاونيّ ولا النشط ولا إنتاج المعرفة ولا المهارات وصقل المواهب ولا عادات العقل، ولا يستثمر المكتبة أو المختبر العلمي أو القاعة الرّياضية أو المسرح أو المرسم أو غرفة المصادر ولا غير ذلك، فهو أمر خطير، ونهج فاسد.
ومهما يكن، فإنّ الكثير من العاملين في المنظومة التّعليميّة يعيشون حالة من الكذب المركّب، الكذب على أنفسهم والكذب على بعضهم بعضا، فالمعلم يكذب على الطّالب، والعكس كذلك، والمدير يكذب على ولي أمر الطّالب، والعكس كذلك، والكلّ يكذب على هذا وذاك، وهذا تناقض أخلاقيّ مرعب، ولَّد عندنا تركيبة إنسانيّة مفككة أخلاقيّا، مشبعة بالماديّات والمظاهر والتّفاخر الكاذب، ونظام حياة مضطرب بأكله وشربه ونومه وأفراحه وأحزانه، بلا أي اهتمام بالأبعاد المعنويّة والإنسانيّة والأخلاقيّة. ﴿وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً ۚ كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.