الصحافة كسلطة فعلية

mainThumb

05-12-2022 01:49 AM

منذ عشر سنوات ناقش فيلم «678» لمخرجه وكاتبه محمد دياب قضية التحرش من وجهة نظر، لنقل إنها عربية محضة، أثار جدلا كبيرا ونقاشات أهملت تماما فعل التحرش وركّزت على ردّة فعل الضحايا ووسائل دفاعهن عن أنفسهن، والغريب أن رابطة العدالة الاجتماعية لحقوق الإنسان قدّمت دعوى للأمين العام مطالبة بتوقيف عرض الفيلم، في محاولة مبطّنة لحماية المتحرشين بشكل شرعي!
كان واضحا أن صنّاع الفيلم قاموا بكسر أكثر التابوهات وحشية في مجتمعاتنا، ولا نعرف إن كانت بعض تفاصيل ووقائع القصة حقيقية، لكننا نعرف أن مرجعيتها تمثل معطًى تعيشه النساء في عالمنا العربي يوميا، وتواجهه بالصمت لأن لا المنظومة القانونية ولا الدينية ولا الاجتماعية تنصفها علنا، وإن كانت النصوص القضائية ـ على الورق- تقرّ بمعاقبة المتحرّش كون المشكلة تكمن في تنفيذ تلك النصوص، وغالبا تصطدم بأشخاص يتعاملون مع الضحية باحتقار وإذلال كبيرين، وفقا للتربية الذكورية التي تشبعوا بها منذ أعمار باكرة.
تختلف وقائع هذا الفيلم العربي الذي وُصِف بالجريء عن وقائع فيلم «قالت» لمخرجته الألمانية ماريا شرادر، الذي يقوم على تحقيق صحافي أنجزته كل من جودي كانتور وميغان توهاي من صحيفة «نيويورك تايمز» والذي صدر في شكل كتاب عام 2019، وحوّلته البريطانية ربيكا لينكيويتز إلى سيناريو متقن، استهدف أحد رموز السينما الهوليوودية لإعطاء القضية أهمية تستدعي النظر في القوانين الجائرة تجاه ضحايا التحرش وتغييرها.
عُرِفت هذه القضية بفضيحة هارفي واينستين الجنسية، الذي أقيل من مجلس إدارة شركته الخاصة، التي أسسها مع أخيه، وطرد من أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة إثر ثمانين شكوى قدّمت ضده قضائيا بسبب التحرش الجنسي، التي وصفت في بعض الصحف والمواقع بمصطلح «مزاعم» تماما كما فعلت جهات إعلامية وغير إعلامية كثيرة تجاه قضية طارق رمضان. تقول القاعدة الثمينة التي يجب أن يعرفها كل ذي حق يريد أن يحصل على حقه من خلال القضاء، إن الضعيف في إمكانه أن يحصل على تسوية كأقصى حد ممكن، أمّا العدالة فمن الصعب أن تتحقّق له، فما بالك حين يكون هذا «الضعيف» أنثى؟
في حوار مقتضب بين شابة تعرّضت للتحرش والاعتداء، وصحفية «نيويورك تايمز» نتوقف عند سؤال الضحية: «هل يمكن أن تدعمني الصحيفة؟» والجواب الصادم: «لا». إذن من في إمكانه دعم المرأة في أقسى اعتداء يطال جسدها في ظرف كهذا؟ الجواب أيضا صادم، فقط هي، وعليها أن تتوقع الأسوأ وتقرر هل تواجهه، أم تختار التسوية أو تصمت؟ في الغالب حتى التسوية تحتاج لبعض الشجاعة لأن عواقبها قد تكون وخيمة، فالمتحرش يملك سلطة اجتماعية تحميه، فكيف بشخص نافذ بسلطة المال أو السياسة؟ الذكور الذي يتحكّمون في زمام حياتهم وحيوات من يحتك بهم بنزواتهم ويمتلكون هذه العصا السحرية، يمارسون شذوذهم إلى آخر رمق، ويسخّرون جيشا كاملا من المجنّدين لحمايتهم، بدءا بالموظفين الصغار الذين يتحّكمون في لقمة عيشهم، إلى رجال القانون الذين يجدون ثغرات تبرّئهم مقابل مكافآت مالية باذخة، فوق بريق الشهرة الذي يكتسبونه بسبب تلك المناصب.
هذا البؤس في تكريس «الفساد المخملي» يأخذ دون شكّ منحى آخر حين يصبح جزءا من صورة الرجل القوي الناجح الذي لا يقهر، والذي يحدث بعدها سيكون درسا ندفع ثمنه غاليا على مدى أجيال، فكل جريمة تنتهي دون قصاص تتحوّل لنموذج يُحتذى به. وربما هذا ما جعل ظاهرة التحرش تنتشر بكثرة في أغلب المجتمعات العربية، فلا رادع ولا مردوع، وهي تحدث علنا في الشوارع ووسائل النقل والأماكن العامة وأماكن العمل، مع تبرير كامل للمتحرش وإدانة لضحاياه.
لا نستبعد أبدا أن فيلم «678» الذي أُنجِز عام 2010 يعكس مرحلة عاشها الغرب قبل انتفاضة نساء الغرب، تشبه تماما ما تعيشه النساء في مجتمعاتنا. في مشهد جريء آخر تسأل إحدى الصحافيتين محامي السيد هارفي عن تفانيه في التغطية عليه كل تلك السنوات فيجيب في ما معناه: «ربما لأن الأمر كان عاديا بالنسبة للجميع في الماضي، ولا أحد كان يمتعض». وهذا صحيح، فالصمت علامة الرّضا كما يقال، خاصة حين يكون بمقابل سخي. التحقيق الذي نشر صبيحة أحد أيام شهر أكتوبر/تشرين الأول 2017 دفع الناشطة الأمريكية سوداء البشرة تارانا بيرك إلى إطلاق هاشتاغ «مي تو» سريعا ما تحوّل إلى حملة لدعم الضحايا المنتميات للطبقات اللامرئية من المجتمع. تارانا كانت ضحية عنف جنسي تعرّضت له من طرف عناصر من الشرطة الأمريكية. لا يهم إن قال البعض إن القصة مفبركة، وإن هارفي لُفّقت له كل هذه التهم، إذ يبدو أن مطلع هذا القرن حمل الكثير من التغيّرات في جعبته، منها على سبيل المثال قوة السينما الناعمة لزعزعة قوة المال والسياسة. فقد منحنا هذا الفن المرتكز على نصٍّ جيد ورموز سينمائية جميلة ورؤية جمالية لموضوعات حساسة كهذه، الإيمان مجدّدا بإحداث تغييرات إيجابية لصالح الإنسان المسالم وتحقيق العدالة التي يحلم بها.
يمكننا طبعا أن نرى الفارق الكبير بين تحقيق العدالة بتشريعات قوية تمنع الظلم، وتسويات باهظة قد لا تكون أكثر من ترضية شخصية للضحية، مع حماية لسلوك المعتدي وتشجيعه على الاستمرار فيه. في فيلم «قنبلة» لمخرجه ماثيو جاي روتش حيث يروي فيه كيف خرجت نجمة قناة فوكس التلفزيونية جريتشن كارلسون بتسوية بلغت العشرين مليون دولار، بعد مقاضاة مدير الأخبار روجر إيلز والمذيع بيل أوريلي. لكن وإن اعتبر هذا الانتصار «بداية لثورة النساء» كما وصفها بعض الإعلام، فإن ما حققته كارسلون كان استثمارا شخصيا دفعت ثمنه غاليا، فهل يمكن أن تنسى لحظات انتهاك الجسد، بهذه الطريقة الوضيعة؟
نقّاد فيلم «قالت» يرون أنه أثار ملفا مشرّفا وقضية جدُّ حساسة وإن كان ليس بالسينما الرّائعة، فقد تذكّر هؤلاء سريعا أن شنايدر مسرحية في الأساس، وقد بقيت عالقة في شِباك المسرح، رغم اجتهادها في تقديم سرد موثق بطريقة سينمائية، شدّت انتباه المشاهد بكمية الغضب والاحتقان المتوفران فيه بكميات كبيرة. وهذا لا يكفي، فقد كتب أحدهم أن شنايدر قدمت فيلما يشبه الواجبات المدرسية، التي تحشى بالمعلومات.
قد تكون هذه التصحيحات الفنية «عبقرية» من نقاد سينمائيين لهم وزنهم، لكن هذا أشبه بذرّ الغبار في الأعين حتى لا ترى الحقيقة مرة أخرى، وحتى يحتمي الشر بكلمات قاسية تحاول إظهار نقاط العمل فنيا.
حسنا، هذا جانب لا يهمني كامرأة، فأنا لست هنا لتقييم فيلم سينمائي على المستوى الفني، فقد تعاملت دائما مع الأعمال الدرامية سينمائية كانت، أم تلفزيونية كما لو أنّها نصوصا تحمل الحقيقة بقيمٍ جمالية عالية، في إمكانها أن تؤثر في متابعيها. وهذا في حدّ ذاته يقودنا إلى مفترق طريق خطير، فإمّا أن تقف كمتفرّج إلى جانب الشر، أو إلى جانب الخير، وهذه ببساطة أهداف الفيلم الحامل لقضية من أهم قضايا الإنسان. فلماذا ينتشر التحرش الجنسي ونتقزّز منه في الواقع، ومع هذا لا يتم تناوله إلاّ قليلا؟ يحمل الفيلم كل الأجوبة الممكنة التي قدمتها صحافيتا «نيويورك تايمز» بطريقة تذكّرنا أيضا بالمهمة السامية للصحافة، في زمن تنهار فيه أعمدة إعلامية مهمة بسبب الغطرسة السياسية، وسوء الظروف التي خانت «السلطة الرّابعة» ما جعلها تتعرّض لانتكاسات كثيرة أثّرت سلبا في الوعي الجماعي.
يخرج مشاهد الفيلم بحماس عارم يشبه ذلك الحماس الذي عشناه حين شاهدنا فيلم «مارك فيلت: الرجل الذي تسبب في سقوط البيت الأبيض» الذي صدر عام 2017 وأفلام أخرى على قلّتها أعطت للصحافة مفهومها الحقيقي لنصرة القضايا العادلة وصناعة الوعي. ولعلّ السؤال الذي يبقى يطرح نفسه هنا هو ما كمُّ الشجاعة التي يجب أن يتسلّح بها الصحافي ليواجه أنواع الفساد المتراكمة على مدى سنوات في كواليس المجتمعات الصامتة؟