صعود اليمين في أوروبا

صعود اليمين في أوروبا

27-11-2023 12:24 AM

أحداث، متفرقة جغرافياً، تربطها تطورات جد خطيرة تذكرني بمقولة الفيلسوف الأميركي جورج سانتانيا (1863 - 1952) «من لا يعي دروس التاريخ سيعيش أحداثه مرة أخرى».

مساء الخميس شهدت العاصمة الآيرلندية أحداث عنف غير مسبوقة، ومظاهرات شغب. ألقى المسؤولون باللوم على إثارة جماعات اليمين المتطرف للشباب، على التواصل الاجتماعي تنادي بالدفاع عن «الثقافة الوطنية» بعد حادثة طعن مهاجر لأطفال ومربية أمام حضانة مدرسية.

قبلها جاءت نتائج الانتخابات البرلمانية الهولندية، بما وصفته المؤسسات الصحافية بـ«زلزال سياسي»، فقد فاز حزب الحرية من أقصى اليمين بزعامة غريت فيلدرز (كانت الحكومة منعته من زيارة بريطانيا قبل أربعة عشر عاماً بسبب تصريحاته العنصرية والإسلاموفوبيا، والتجأ إلى محكمة بريطانية لإلغاء الحكم)، بأكبر عدد من المقاعد (37) في البرلمان الهولندي، بينما لم يفز تكتل الأحزاب اليسارية والليبرالية سوى بـ25 مقعداً. أما حزب يمين الوسط (في في دي) - اختصار «حزب الشعب للحرية والديمقراطية»، ففاز بـ24 مقعداً.

لكن النظام البرلماني - بالتمثيل النسبي وليس نظام الدوائر المباشر - يجعل مهمة صاحب الأغلبية، فيلدرز، لتشكيل حكومة بالغة الصعوبة حتى ولو تحالف مع الـ«في في دي»، إذ ينقصه 40 مقعداً (الحد الأدنى المطلوب 76 مقعداً في البرلمان الهولندي). والتحدي نفسه أيضاً يواجه منافسيه من الكتلتين الأخريين (الوسط ويمين الوسط، أو اليسار والليبراليين).

في اليوم نفسه أيضاً تعرضت حكومة ريشي سوناك المحافظة لهجوم المعارضة لفشلها في الحد من الهجرة إلى بريطانيا، حيث بلغ الرقم الصافي للمهاجرين شرعياً هذا العام (الزيادة في عدد المهاجرين إلى بريطانيا مقابل خصم أعداد من تركوا البلاد في الفترة نفسها) قرابة ثلاثة أرباع المليون (ناهيك عن عشرات الآلاف المهاجرين غير شرعي بالقوارب، والذي تتكلف إقامتهم في الفنادق قرابة أحد عشر مليون دولار يومياً).



والرابط المشترك ليس فقط ارتفاع الهجرة من خارج أوروبا، بل أيضاً الإخفاقات الاقتصادية للساسة، وسياسات التعددية الثقافية، وأيضاً طبيعة النظام الانتخابي في عجز نظام التمثيل النسبي عن تقديم خيار واضح ومحدد للناخب يمكنه من التصويت لبرنامج انتخابي شامل يحقق بعض طموحاته وتطلعاته.

حيث لا تواجه بريطانيا مثلاً، بنظام الدوائر المباشرة، المشاكل التي تواجهها البلدان الأوروبية عند تشكيل حكومة، فهناك حكومة ظل برنامجها واضح يمكن للناخب البريطاني اختيارها كبديل.

الملاحظة الأخرى، دور وسائل التواصل الاجتماعي في اندلاع أعمال الشغب، خاصة وأن المواطن - سواء في هولندا أو في آيرلندا - لم يعد يثق في مصداقية الوسائل الصحافية التقليدية في نقل الحقيقة.

فالغالبية المتورطة في أعمال الشغب في دبلن كانت من شباب من السكان الأصليين والشباب العاطل عن العمل، وكثيرهم يرون أرزاقهم قطعت بسبب اعتماد أصحاب الأعمال على عمالة أرخص بين المهاجرين. لكنه ليس الاقتصاد فقط، فالصحافة الآيرلندية التقليدية تجاهلت (بسبب الصوابية السياسية الليبرالية) متابعة ارتفاع مطرد لحوادث شاذة عن ثقافة المجتمع قام بها مهاجرون، كالتحرش ومعاملة النساء بشكل غير لائق أو ممارسات وشعائر غريبة على المجتمع تعطل سير العمل أو المرور.

ومع فقدان الثقة في الصحافة التقليدية، ظهرت منابر التواصل الاجتماعي، التي تستغلها التيارات ذات الآيديولوجية المتطرفة لإشعال الموقف وترويج الكراهية ضد المهاجرين.

فمثلاً الشخص الذي أنقذ الأطفال وصارع المعتدي في دبلن ونزع سلاحه هو أيضاً مهاجر (أكبر سناً في الأربعينات)، ولذا يحتاج الأمر لصحافة مسؤولة متوازنة تعيد الثقة للمواطن بدلاً من الشائعات على وسائل التواصل الاجتماعي.

في هولندا كانت المؤسسات الصحافية الرسمية التقليدية شنت حملة قوية بهجومها المستمر على حزب الحرية وزعيمه فيلدر، ولذلك وصفوا نتائج الانتخابات بأنها «مفاجأة».

لكنها لم تكن مفاجأة لي شخصياً، فناخبون مسلمون هولنديون أثناء الحملة الانتخابية قالوا إنهم يفضلون برنامج فيلدر السياسي والاقتصادي والحد من الهجرة، لكن تصريحاته المعادية للإسلام هي ما يمنعهم من التصويت له وسيمنحون أصواتهم لحزب يمين الوسط (في في دي) لكن ليس لأحزاب اليسار التي لا يثقون بها.

هنا نذكر دروس التاريخ، فنظام التمثيل النسبي لا يوجد فيه «حكومة ظل» ببرنامج يعدُّ بديلاً واضحاً للحكومة أمام الناخب كبريطانيا مثلاً، فتظهر أحزاب القضية الواحدة لتقتنص الأصوات إما بالآيديولوجية العاطفية (كأحزاب الخضر والبيئة، وحركات النسوية والمثليين) أو الاحتجاجية، (كالأحزاب الشعبوية الديماغوجية)، التي تصعد اليوم في أوروبا باستهداف المهاجرين، خاصة من مناطق تختلف ثقافتها الاجتماعية عن الثقافة الوطنية، إضافة إلى فشل المؤسسة الليبرالية الحاكمة في التعامل مع مسألة الهجرة.

الحزب الاشتراكي القومي (النازي) لم يكن يمثل الأغلبية بين الألمان في ثلاثينات القرن الماضي، لكنه أثار قضية شعبوية باستهداف طائفة في المجتمع بتحميلها مسؤولية تدهور الاقتصاد، فتمكن من الصعود (في برلمان 1932 كانوا الثلث فقط بينما الشيوعيون والاشتراكيون الديموقراطيون فاقوهم بـ25 مقعداً، لكن النظام الانتخابي حال دون حصول العديد من أحزاب أخرى على مقاعد) وكان إلغاء النازيين للتعددية والديمقراطية، وبقية أحداث التاريخ معروفة للجميع.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

مقتل أميركية في إيرلندا .. البحث عن أردني غادر البلاد قبل اكتشاف الجريمة

وفاة سيدة أثناء الولادة تستنفر الأجهزة الأمنية في إربد

بعد مقتل جيمي كارني .. ملتقى أردنيون في إيرلندا يصدر بيانًا رسميًا

هيفاء وهبي تصل الأردن وتشعل الاهتمام قبل حفل الليلة .. ومفاجأة تجمعها بسانت ليفانت

جريمة تهز المواقع .. قتلت زوجها لأنه يحبها ويهتم بها .. صورة

مشروع قانون الملكية العقارية .. 15 تغييرًا قد يؤثر في كل مالك أرض بالأردن

وزير الإدارة المحلية يوجّه بالتحقيق في شبهة اختلاسات ببلدية في المفرق

إرادة ملكية بالموافقة على إجراء تعديل على حكومة حسان

بعد المصادقة على حبسه .. الرياطي يفقد عضويته في النواب

أول ثمار "مجلس السلام " خمط .. ؟

قتيل واصابة بمحافظة جرش

تحذير من إحداث بلبلة والطعن في الغذاء الأردني عند إغلاق منشأة

أحكام مشددة في قضية سرقة مكتب طلال أبو غزالة .. والقضاء يحسم الملف

مهم من العجلوني بشأن امتحان الشامل العملي

السوسنة السوداء .. حكاية ترخيص أم أزمة حوكمة؟