بقايا النهار

بقايا النهار

28-11-2023 11:35 PM

في رواية «بقايا النهار» للياباني كازو إيشيغورو، يُتوفى والد رئيس الخدم في قصر اللورد هارلنغتون. ما الهم الأكبر في هذه اللحظة؟ أن يخبّئ رئيس الخدم الأمر عن سيده لكي لا تتأثر حركة الحياة في القصر. إنها الروح الإنجليزية: الواجب أولاً.

أول أيام الهدنة في غزة عاد الكثيرون من المهجّرين إلى ركام منازلهم لكي «يتفقد» بقاياها. وفي جنوب لبنان عاد المهجرون إلى البيوت التي تركوها لكي يروا ما حل بها. الواجب أولاً. البيوت. لا يجب الخلط بين الواجب والحزن.

الصور الآتية من بقايا غزة، كانت صور الفلسطيني الذي لا يبكي. يتمشى بين الركام وفتات الحجارة ولا يبكي. ولا يُقهَر. ولا يتذمَّر. بقايا النهار، وبقايا الحياة، وبقايا الأرض، وهو لا يبكي. منذ ثمانين عاماً وهو في هذا المشهد. هو وأطفاله، والأرامل، والمرض وسائر أنواع العذاب، والطائرات تدكّ بيوته وخيامه ومدارسه ومستشفياته، وهو يغطي جثة أبيه لكي لا تؤثر في واجبه ونضاله.

إسرائيل لا تخوض الحرب، بل ما بعد الحرب. لا تريد أن يبقى في غزة حجر لم يُفتَّت. تريد تدمير نظام الحياة حتى في أبسط أشكالها. لا مياه، ولا خبز، ولا مدارس، ولا طرقات. هكذا كانت أوروبا «بعد الحرب». العنوان الذي اختاره المؤرخ طوني جدت لكتابه الملحمي عمّا حدث لأوروبا التي تحولت إلى غبار، وليس فقط إلى بقايا.

تريد إسرائيل أن تدمّر مقومات البقاء والقيامة معاً. قلت لأحد الزملاء المصريين الاعزاء في برنامج تلفزيوني قبل أسابيع، لا تنظر إلى أول الطابور المهجّر. انظر إلى آخره. سوف ستديرون ويعودون. هذا تماماً ما حدث في الساعات الأولى للهدنة: سوف ترى الفلسطيني عائداً يتفقد ما بقي من أحلام وذكريات وبيّارات.

يتأمل العالم الصورة أمامه ويرى في نهاية النفق طفلاً يشبه «حنظلة»، طفل ناجي العلي، وهو يخرج من لوحته وأسماله، ومن مخيمه وثوبه المرقّع، ومن خلفه يسير العالم أجمع، يريد أن يعرف كيف كل غارة تلد ألف حنظلة.

مثل الأساطير يقوم طائر الفينيق. لكن الأسطورة هنا بالبث المباشر. ولهذا تحاول إسرائيل قتل جميع المراسلين أيضاً. أحدهم هو و41 فرداً من عائلته، وآخر هو و12 فرداً من عائلته، وفي جنوب لبنان سرب من الصبايا والشبان كانوا يحاولون نقل شيء من الجحيم إلى ضمائر البشر وتكايا «المجتمع الدولي».

«بعد الحرب»، ماذا بعد الحرب؟ نتمنى أن نُرزق بما رُزقت به أوروبا بعد الحرب. عمّارون من طينة وطراز الألماني كونراد أديناور، والفرنسي شارل ديغول، والهندي جواهر لال نهرو، والسنغافوري لي كوان يو، والماليزي مهاتير محمد. عمّارون ورجال دولة وأصحاب رؤية. ورجال يدركون معاني ما قاله المؤرخ البريطاني إف. إتش. كار: «التاريخ حوار دائم بين الماضي والحاضر والمستقبل».



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

نقيب أصحاب المعاصر يكشف عن سعر تنكة زيت الزيتون للموسم المقبل

بالصور .. أردنيون يعبرون عن استيائهم: أوقفوا المجزرة .. ما القصة

تفاصيل وفاة طالب اليرموك الإندونيسي .. قطار يجر سيارته مئات الأمتار

للمرة الرابعة في 2026 .. ارتفاع مرتقب على أسعار السجائر

إصابة 9 طلبة إثر انقلاب حافلة مدرسية في لواء بني كنانة

16 عاما من الانتظار .. انتهت بوفاة أماني الحجيجي

حادث مروع على شارع البترا بإربد .. فيديو وصور

مسيّرة حوثية باتجاه مكة .. الدفاعات السعودية تعترضها وتدمرها

عرض مغرٍ انتهى بخسارة أمواله .. قصة احتيال تحولت إلى كابوس .. تحذير أمني

الجيش يعلن عن منح هندسية في أمريكا .. التفاصيل والشروط

مشاجرة في إربد تنتهي بطعن لاعب الحسين إربد وشقيقه .. التفاصيل

بالفيديو .. سرقة عجل من مركبة في الحصن

قصتان صادمتان تعيدان ملف حقوق الرجل بعد الطلاق إلى الواجهة في الأردن

كاميرات جديدة في إربد .. رصد مخالفات الإشارة آليا

هروب الذكاء الاصطناعي يثير الذعر .. أنظمة تخرج عن السيطرة واجتماع أممي لاحتواء الخطر