الرهان على محور المقاومة

mainThumb

06-12-2023 01:17 AM

بعد انهيار الهدنة وتجدد العدوان ما زال البعض يتوقع توسع رقعة الحرب، ويراهن على دخول «محور المقاومة»؛ وهو من الرهانات التي تثير انقساماً حاداً جداً بين قطبيها.
مؤيدو وأنصار محور المقاومة لديهم قدرة مدهشة على تبرير أي موقف سيتم اتخاذه: إن دخل المحور الحرب فهذا دوره المتوقع، وإن امتنع فلأن لديه تقديرات حكيمة للموقف وحسابات دقيقة قد نجهلها الآن .. معارضو المحور انتقاداتهم جاهزة دوماً: إن دخل الحرب فإنه سيجر الكوارث والتدمير على لبنان وسائر المنطقة، وإن امتنع سيكون قد خذل غزة، وتلك هي طبيعته.
وقبل الخوض أكثر، ينبغي التذكير بجملة حقائق؛ أولها: المتحكم في المحور، ومن يديره وبيده قرار الحرب والسلم هو إيران، وبقية الأطراف عليها السمع والطاعة. وثانيها: قوة حزب الله العسكرية تفوق قدرات حماس والجهاد معاً بعشرة أضعاف، ما يعني أن تدخله في الحرب سيحدث فرقاً هائلاً. وثالثها: ما يجري في جنوب لبنان الآن مجرد مناوشات طفيفة، يستفيد منها الطرفان؛ حزب الله يُشغل إسرائيل، ويجعلها مجبرة على تشتيت جهودها العسكرية على عدة جبهات، بما يخفف الضغط عن غزة (علما أن الضغط على غزة لم يخف لحظة واحدة)، وهو بذلك يقدم رسائل إعلامية لجماهيره بأنه ليس محايداً، ويفعل ما بوسعه، ورسائل أخرى لإسرائيل لجعلها قلقلة وحذرة.. أما إسرائيل فتكتفي بردات محدودة، دون أن تكون مجبرة على تحريك طائراتها وصواريخها.
تعالوا نتخيل مشهداً افتراضياً: لو كان هجوم حماس في السابع من أكتوبر منسقاً مع حزب الله، بحيث يهاجمان إسرائيل من الشمال والجنوب دفعة واحدة، وبقوة حزب الله الصاروخية المكثفة، والتي تفوق صواريخ القسام بكثير.. ماذا كان سيحدث؟
ما حدث على جبهة غزة عرفناه، أما ما كان سيحدث مع هجوم حزب الله فلا نملك إلا تخيل المشهد، وكل شخص سيراه بمنظار مختلف.. ستكون إسرائيل قد أحست بخطر التهديد الوجودي، ومن المؤكد حينها أن أميركا ستتدخل بقوة بعدة حاملات للطائرات، وستتبعها بريطانيا وفرنسا، وكل أوروبا، وستكون حرباً إقليمية أشد شراسة وضراوة وعنفاً مما نراه في الحرب على غزة، وسيكون الضحايا أضعاف الأرقام الحالية، ومن جميع الأطراف، وسيكون التدمير شاملاً وبشكل رهيب.
وستكون لهذه الحرب امتدادات عالمية، أول من سيستفيد منها روسيا، ستستغل انشغال أميركا والغرب في حرب الشرق الأوسط، وستحسم حربها على أوكرانيا، وستغيّر مع الصين بنية النظام الدولي، وربما تكون إيران قد امتلكت القنبلة النووية، وستصبح موازين القوى الدولية متعادلة نوعاً ما، بما يسمح بتسوية سياسية أكثر عدلاً وإنصافاً.. وربما تنجح أميركا في حسم الحرب بأسرع مما نظن، وستكون قد تخلصت من حلفاء إيران في المنطقة، وبوضع أقوى لمواجهة روسيا والصين، وستعيد بناء نظام دولي جديد، وشرق أوسط جديد وبالشروط الأميركية.
مثل هذه التغييرات تتطلب حرباً طاحنة مدمرة، وهي مغامرة خطيرة ولا أحد يضمن نتائجها، والكل يحاول تجنبها، وإبقاء الوضع على ما هو عليه، بأقل قدر ممكن من الخسائر والتدمير، واكتفاء كل طرف بما حققه حتى اللحظة.
أدركت كلٌ من روسيا والصين وأميركا خطورة اللحظة، وما تتضمنه من احتمالات وخيمة، ولذلك ربما ستُبقي على قواعد الاشتباك وتداعيات الصراع بينها كما هي الآن.. إسرائيل لا تضمن نتائج الحرب، وربما تفوّت فرصة تدمير حزب الله لصالح تحقيق هدف تدمير حماس وتهجير غزة، وتقاسم منافع الحرب مع أميركا، دون تكبدها خسائر كبيرة.. إيران ستكتفي بما حققته من إنجازات، وقف التطبيع السعودي الإسرائيلي، والتأكيد أمام العالم على أنها تمسك بأهم ملفات الشرق الأوسط، وأنها ستكون أقدر على فرض شروطها، وهي منجزات تحتاج وقتاً لتفعيلها والاستفادة منها، وبالتالي لن تسمح لحزب الله بتوسعة الحرب أكثر.
أما حزب الله فهو مدرك أن مسألة دخوله الحرب ليست هينة بالمطلق، صحيح أنه سيخضع لضغوط شعبية من قواعده وجماهيره، لكن قيادته (إن كان القرار بيدها فقط) ستتأنى كثيراً، وستحسب كل الاحتمالات الممكنة، وفي ذهنيتها العميقة نتائج حرب تموز 2006 المدمرة والكارثية، وربما أحلام تحقيق نصر كبير أو جزئي، وفي كل الأحوال ستكون الأثمان باهظة جداً.
وفي كل يوم يمضي بالاكتفاء على هذا القدر من المناورات تقل فرص اتساع الحرب.. أما مسألة نصرة الحق ووحدة الساحات وغيرهما فهي مجرد شعارات، وقد تبين عدم جدواها في حروب غزة الست السابقة.
على أي حال، الحرب بحد ذاتها شرٌ مطلق، وتجنبها ليس خطأ دائماً، فالحس بالمسؤولية أهم سمات القيادة الوطنية.. ولا أحد يتمنى الدمار والخراب للبنان، ومن الضروري أن تظل في المنطقة قوة تشكل رادعاً لإسرائيل، مهما كان رأي البعض بها.
من ناحية متصلة، ستتطلب وحدة الساحات اشتراك فصائل المقاومة في الضفة، والبعض يطالب السلطة بالتحرك عسكرياً بأسلحتها (مسدسات وكلاشينات)، وما يدفع بهذا الاتجاه أن خطاب محمد الضيف أوحى للجماهير الفلسطينية والعربية بأن طوفان الأقصى يشكل الضربة الحاسمة لإسرائيل، وأنه ذروة معركة التحرير الشامل، وبالتالي على الجميع الاشتراك بالحرب وبأقصى ما لديهم من قوة، وتوجيه الضربة القاضية لإسرائيل وأميركا معاً.. وقد أكد نصر الله في خطابه الشهير أن هذه مرحلة الصمود والثبات، أما مرحلة الانتصار والضربة القاضية فلم تأتِ بعد، وما زالت بعيدة.. وخطورة أطروحات «مرحلة الانتصار والضربة القاضية» ليس في طوباويتها وشعبويتها وارتهانها لثقافة الشعارات، وأنها مبنية على رؤية قاصرة لطبيعة النظام الدولي، بل وأيضاً لأنها ستعني تدمير المقاومة أولاً، ثم انتقال الحرب إلى الضفة مباشرة، وإشاعة الفوضى، لتشرع إسرائيل في مشروع الترانسفير، وبالتالي تصفية القضية الفلسطينية نهائياً، تحت ذريعة التهديد الوجودي الذي تتعرض له إسرائيل (المدعومة مباشرة من أميركا وأوروبا).
مشكلة بعض قوى المعارضة للسلطة وللمنظمة عموماً، وحتى معارضو محور المقاومة (ولديهم الحق في انتقاداتهم لها) أن صراعهم معها يحجب عنهم رؤية المشهد بوضوح، والتصرف بمسؤولية وطنية.. وكما قيل سابقاً «الطريق إلى جهنم معبد بالنوايا الحسنة».

 

(الأيام الفلسطينية)



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد