«الشّجاعة الجاهلة»

«الشّجاعة الجاهلة»

21-07-2024 07:22 PM

 

تشغلُ بالي منذُ فترة، تلكَ التّحولات التي يخلِّفها تقادُمُ السّنوات، أو الفرقُ (الذي يُمكنُ قياسُه) بينَ ما كُنّاه وما أصبحنا عليه اليوم. وهي تحوّلاتٌ تختلفُ طبعًا حسبَ اختلافِ الشّخص والظرف والبيئة والتجربة وغيرها من العوامل. (...)
... رغمَ أنّ أحدَ أهمّ هذه التّحولات، إدراكُ أنّ «أغلبَ الأحداثِ لا تتطلّبُ منكَ تعليقًا»، إلّا أنّ «الكاتب» دائمًا ما يجدُ فيما يحدثُ حوله فرصةً للتّفكير، أو للكتابة. مطلع يوليوز الجاري... لفتَ نظري، في المقهى الذي أجلسُ فيه، ثلاثةُ شبّان من أعمارٍ مختلفة، يبدو أنّهم يدرسونَ في مرحلة الدّراسة الجامعيّة الأولى بعلم الاجتماع، وأثارَ فضولي استخدامُهم المكثّف لكلمة «أؤمن» (بلفظها الدّارج: بآمِن، كنآمن)، قبلَ أيّ جملةٍ تتعلّق بآرائهم حولَ قضايا اجتماعيّة أو سياسيّة معقّدة فعلًا، واستوقفني هذا «الجزم» المطلق بآراء اختلفَ ويختلفُ عليها المفكّرون عبر تاريخ التّفكير البشريّ الطويل، أو تلكَ الآراء التي يصعُبُ قياسُ مدى صحّتها حينَ لا تستندُ إلى معطيات إحصائيّة دقيقة، ونتائجَ تحتاجُ إلى مراكز بحثٍ وإحصاء للخروج بمعطيات كميّة تبنى عليها.
أعادني هذا للتّفكير في «منحنى الثّقة والمعرفة»؛ الذي يعرفُ علميًا بـ «تأثير دانينغ- كروجر»، وهُما عالمان لفَتَ نظرهما لصٌ سرقَ بنكًا في وضحِ النّهار دونَ أنْ يرتدي أيّ قناعٍ على وجهه، وحين حقّقت الشرطة معه بعد القبضِ عليه، أكّد لهم أنّه كانَ وضع على وجهه عصير اللّيمون، وقد كانَ السّارق الذي يدعى "مكارثر ويلر" يعتقد أنّ تغطية وجهه بعصير اللّيمون سيجعله غيرَ مرئي!، وبالفعل أنجَزَ العالِمان بحثهما الذي عُرفَ بنظريّة «الشّجاعة الجاهلة» أو «Dunning–Kruger syndrome»، والذي يُعرّف أنّه انحياز معرفي يشير إلى أنّ الأشخاص الأقلّ معرفة يبالغون في تقدير مهاراتهم وثقتهم بأنفسهم، ويعانونَ من «وهم التّفوق»، ما يجعلهم أقلّ قدرة على تقدير حجم مهاراتهم بشكلٍ صحيح، والوعي بها، والعمل على تطويرها.
ولعلّ داروين سبقَ هذين العالمين، حينَ رأى أنّ الجهل يولّد الثقة أكثر من المعرفة، وقبله المتنبّي الذي رأى أنّ الشّقاء بالعقل، والنّعيم بالجهل. لكنّ الأكثر أهميّة من هذا، هو ضرورة أن تعي المؤسّسة التعليميّة بهذه (المتلازمة)، وأنْ تعمل من خلال اختبارات تحديد المستوى والمعرفة والذّكاء والتفكير النّاقد، على تعزيز وعي الفرد بمعرفته بشكلٍ متّزن، ما يسمحُ له أنْ يكونَ أكثر تقبلًا للتّعلُّم، وأقلّ ثقةً برأيه، وهذا سيخفض نسب التّعصب للآراء المعرفيّة والدينيّة والمذهبيّة، وهذا سيعيد (إحياء) عمليّة بناء القناعات بشكلٍ سليم، حيثُ لا يزالُ "الشّك أوّل درجاتِ اليقين"، إنْ كانَ ثمّة يقين بشكلٍ حقيقيّ (...).
يغزو وهم التّفوق مؤسّساتنا وحياتنا، تمامًا كما هو «غزو البلهاء» الذي تحدّث عنه أمبرتو إيكو، وكجزء من العمليّة المعرفيّة «الفاسدة» فإنّنا قرأنا كتابَ إيكو الذي انتشرَ بشكلٍ واسع، لدرجةِ أنّني وجدته يباعُ على رصيفِ أحد الشّوارع الرئيسيّة في إحدى العواصم العربيّة، لكن دونَ أنْ نعملَ على استراتيجيّةٍ (إعلاميّة وتربويّة ورقميّة و...) فاعلة، أو على الأقل.. دونَ أنْ يشكّ أحدٌ منّا أنّه ربما أحدُ البلهاء الذينَ يتحدّث إيكو عنهم.
هذا الموضوع بحاجةٍ لمقالٍ علميّ وليسَ لمقال رأي. لكن، هو ليسَ إلّا رغبةً في استلهام و(استيهام) تجارب فرضتها السّنوات واستكشاف الثقافات والأفكار والكتابات، خلخلت الثّقة وأعادت تقييم المعارف، فكلّما «عرفتُ أكثر زادَت معرفتي بمقدار جهلي»، وكلّما عرفتُ أكثر تجنّبت الخوضَ في غيرِ اختصاصي، وكلّما عرفتُ أكثر.. استخدمُ كلماتٍ مثلَ «أظنُّ».. «ربّما».. «يبدو».. وكلُّ ما لا يدلُّ على جزم؛ للحقائق كلّها وجوه كثيرة.
لماذا أكتبُ هذا الآن؟ لأسبابٍ كثيرة.. ليسَ أقلّها ما يحدثُ داخل مؤسّساتنا (الفلسطينيّة تحديدًا)، وليسَ أقلّها هجرة الكفاءات والعقول، وليسَ أقلّها أنْ يتحدّث باسمنا (كشعب فيه أغلبيّة متعلّمة) جهلاء، وليسَ أقلّها ما يُمارس على عقول المُتلقّين من التّلقين والتنميط، وليسَ أقلّها التّعصب للحزب والفكرة وتقديس المقولة والخبر دونَ تفكير أو تحرّي. وليسَ أقلّها أيضًا أنْ السابع من أكتوبر أعادَ خلخلة قناعات شعوب العالم المبنية على الرّواية الصّهيونيّة، وعادوا للتّفكير في الأسباب التي أدّت لهذه المآلات، وفي الكيفيّة التي نشأت فيها هذه الدّولة فوق الأرض الفلسطينيّة، وفي عقدة الضحية، وفي ثنائيّة التحضّر والبربرة... إنّ أحداثًا مثل هذه سيكونُ مخجلًا أنْ تمرّ دونَ أنْ يعيد الفلسطينيون والعرب التّفكير في قضاياهم بطريقة جديدة (...).



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

روبيو: دول الخليج لا تؤيد فرض أي رسوم على عبور هرمز

بدء صيانة طريق السلط من جسر الدبابنة حتى شارع الستين

التعليم العالي: دمج قبول أبناء العاملين بوزارة الصحة في نظام القبول الموحد

فيفا يفتح الباب أمام المنتخبات الروسية تحت 15 عاما للمشاركة الدولية

جرش: تخصيص موقعين داخل المدينة الأثرية لعرض مباراة الأردن والأرجنتين

وصول طواقم المستشفى الميداني الأردني نابلس/11

حجب تطبيقات التراسل في محيط قاعات التوجيهي أثناء انعقاد الامتحانات

السفير البريطاني يزور مصانع البوتاس العربية في غور الصافي

الصفدي يبحث مع نظيرته الهنغارية تعزيز العلاقات وتطورات المنطقة

الضريبة: نعمل على تطوير الإجراءات الداعمة للصناعة والاستثمار

ارتفاع حصيلة ضحايا زلزال فنزويلا إلى 164 قتيلا

9 طرق فعالة للحصول على المزيد من لايكات على مقاطع ريلز في انستقرام

الاتحاد الأوروبي يصرف أول دفعة من قرض ضخم لأوكرانيا

بتوجيهات ملكية .. الأردن على أتم الاستعداد لتقديم المساعدة الممكنة لفنزويلا

طلبة التوجيهي يبدون ارتياحهم بعد تقديم امتحان التربية الإسلامية

تحديد هوية الشاب المتوفي في تدافع مباراة الأردن والجزائر .. صورة

الأردن يقترب من إنتاج 500 طن سنوياً من الكعكة الصفراء

لفتة للنشامى نالت إعجاب الجماهير العربية والجزائرية .. صورة

موظفة بالسياحة تتهجم على مكتب الوزير .. التفاصيل

هبوط بأسعار الذهب محلياً اليوم

على نفقته الخاصة .. الملك  يوجه دعوة خاصة لسيدة أردنية لزيارة المملكة

المدرج الروماني يفتح أبوابه للجماهير لمتابعة مباراة النشامى والجزائر

نداء للتعرف على هوية المتوفى بتدافع مباراة النشامى

الزراعة: شحنة عجول كولومبية عابرة للعراق وليست للسوق الأردنية

وظائف حكومية شاغرة ومدعوون لاستكمال إجراءات التعيين .. تفاصيل

تنفيذ الإعدام تباعاً بحق محكومين في السجون الأردنية

فرصة للمقبلين على الزواج .. هبوط أسعار الذهب محلياً اليوم

الإدارية النيابية تبحث مع الأحزاب مسودة مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026

خبر طلاق نسرين طافش يتصدر المواقع

عروض على الأرز والسكر والمواد الأساسية بالاستهلاكية المدنية