لماذا تتوغّل إسرائيل رغم التقارب الأميركي–السوري

لماذا تتوغّل إسرائيل رغم التقارب الأميركي–السوري
القوات الإسرائيلية تتوغل في عدة قرى بريف القنيطرة الجنوبي

04-12-2025 05:39 PM

لا يمكن النظر إلى التوغّل الإسرائيلي الأخير في قريتي الصمدانية الشرقية والعجرف على أنه مجرد تحرك عسكري محدود. فالتوقيت والظرف السياسي المحيط به يكشفان عن دلالات أعمق تتجاوز الحسابات التكتيكية إلى أسئلة تتعلق بالمعنى الحقيقي للتحركات الإسرائيلية داخل سوريا، خصوصاً في لحظة تبدو فيها دمشق أقرب من أي وقت مضى إلى واشنطن.

فالزيارة التاريخية للرئيس السوري أحمد الشرع إلى البيت الأبيض وما رافقها من استقبال استثنائي من الرئيس الأميركي دونالد ترامب جذبت الأنظار إلى مرحلة جديدة من العلاقة بين البلدين. بدا وكأن دمشق تستعيد موقعها في خارطة التحالفات، بينما تجد واشنطن في النظام الجديد شريكاً يمكن إعادة صياغة التوازنات من خلاله. ومع ذلك، يظهر أن إسرائيل تتحرك في الاتجاه المعاكس تماماً، وكأنها ترفض فكرة أن تكون سوريا مستقرة وتحت مظلة تفاهمات أميركية–سورية واسعة.

هنا يبرز السؤال الأول: هل تخشى إسرائيل من سوريا المستقرة أكثر من خوفها من سوريا الفوضى؟ قد يبدو ذلك بديهياً حين نتذكر أن الاستقرار يعني استعادة مؤسسات الدولة قوتها، وترميم الجيش، وعودة القرار السوري إلى طاولة الإقليم. وهذا بحد ذاته يقلّص هامش حرية تل أبيب العسكرية، ويعيد تعريف قواعد الاشتباك التي اعتادت أن تُفرض من طرف واحد.

في الوقت ذاته، يشير التوغّل إلى محاولة إسرائيلية لإعادة ترسيم الواقع الميداني في المنطقة العازلة التي احتلتها نهاية 2024. فرغم الأحاديث المتزايدة عن اقتراب التفاهم الأمني بين دمشق وتل أبيب، تبدو إسرائيل وكأنها تسعى لتثبيت وقائع جديدة قبل اكتمال الاتفاق، أو لفرض شروط مختلفة عمّا يجري تداوله في القنوات الدبلوماسية.

لكن ربما تكمن الدلالة الأعمق في هاجس إسرائيل من النظام السوري الجديد. فصعود الشرع شكّل تحولاً لافتاً؛ رئيس يحمل شرعية داخلية مختلفة، وانفتاحاً دولياً واضحاً، وعلاقة خاصة مع واشنطن لم تكن متاحة لمن سبقوه. وهذا التحول يضع إسرائيل أمام معادلة غير مريحة: سوريا قوية ومقبولة دولياً قد تكون أكثر صعوبة في التعامل معها من سوريا المتهالكة أو المنقسمة.

هنا يصبح مفهوماً أن بعض دوائر صنع القرار في تل أبيب قد تنظر بقلق إلى لحظة “اكتمال” النظام الجديد، وربما تسعى لإرباكه مبكراً أو اختبار مدى قدرته على الرد، أو حتى تقويض صورته أمام الحليف الأميركي الذي يفتح له الأبواب الواسعة.

ومن زاوية أوسع، يأتي هذا التوغّل ضمن سلسلة من السلوكيات الإسرائيلية التي تمتد من فلسطين ولبنان وصولاً إلى سوريا واليمن، وتشير إلى حالة من التوتر الوجودي أكثر مما تشير إلى الثقة العسكرية. فالقوة حين تعمل بلا ضابط غالباً ما تعكس خوفاً عميقاً من المستقبل، لا إحساساً مطمئناً بالسيطرة.

وفي المقابل، تبدو تل أبيب وكأنها تعيش في ذروة قوة ظاهرة، لكنها قوة مشحونة بالقلق. إذ إن كل توسع ميداني يخلق مقاومات جديدة، وكل تجاوز للحدود يستدعي حدوداً أخرى. وتجارب التاريخ تقول إن لحظة الذروة هي اللحظة الأقرب إلى الانكسار إن لم تُحسن قراءة التحولات من حولها.

عند جمع هذه الخيوط، تبدو التحركات الإسرائيلية الأخيرة محاولة لتثبيت الذات في مشهد إقليمي يتبدل بسرعة. سوريا تقترب من واشنطن، والنظام الجديد يعيد بناء شرعيته، والبلاد تستعيد بعض توازنها، بينما تجد إسرائيل نفسها مضطرة لمواجهة واقع سياسي لم تعتد عليه منذ عقود.

ومع ذلك، يبقى المستقبل مفتوحاً على كل الاحتمالات. قد تكون هذه التحركات مقدمة لمرحلة أكثر توتراً، وقد تكون آخر مظاهر القوة قبل الدخول في مسار جديد تفرضه متغيرات الإقليم. لكن الثابت أن من لا يفهم حدود قوته، قد يجد نفسه أول من يدفع ثمنها.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

تشيلسي يضم مورغان روجرز في صفقة قياسية للاعب إنجليزي

عون وترامب يتفقان على مواصلة التنسيق الأمني والدفاعي والاقتصادي

الدفاعات الجوية الكويتية تتصدى لطائرات مسيّرة إيرانية

تكلفة الحرب مع إيران بلغت 37.5 مليار دولار حتى الآن

إيران تحذر من أي هجوم على المراكز النووية والحساسة

إسرائيل تحتجز قياديا بمنظمة التحرير بالقدس لساعات وتفرج عنه بشروط

الدولار يصعد مع زيادة سعر النفط جراء التطورات بالشرق الأوسط

فنربهتشه التركي يكتفي بهدف في الفوز على غورنيك زابجة البولندي

الموازي في الجامعات الأردنية، بين ضبط الإنفاق وصون الكفاءات وحماية الاستقرار المعيشي

إسرائيل تفرج عن 3 لبنانيين بعد ساعات من احتجازهم بالجنوب

الحنيطي يبحث مع خبراء مراكز الفكر الأميركية مستجدات المنطقة

بعد حظر لعقود .. ترامب يوجه بالسماح برحلات أمريكية مباشرة إلى لبنان

لقطات من استقبال الطاقم التحكيمي الأردني المشارك بكأس العالم 2026 .. صور

صدمات

الفيصلي يتعاقد مع إحسان حداد لموسمين

«الجنرال» يشعل فضول الأردنيين .. هل صنعت قيود الإعلام نجومية الحسابات المجهولة؟

لماذا أثارت المادة (21) من قانون الجامعات الجدل؟ .. قراءة في مخاوف آلاف العاملين

فيديو .. حادث سير مروع في الزرقاء

الإطاحة بأكبر سارق للمياه في العقبة

حقيقة التصريحات المنسوبة للصفدي حول مقتل جنديين أمريكيين بالأردن

البوتاس والفوسفات توقعان اتفاقية لإنشاء مجمع صناعي

بيان مهم صادر عن القوات المسلحة الأردنية

الاعتداء على الجنرال The General Inspector .. حين تصبح كرامة المواطن الأردني قضية وطن

تنقلات بين كبار ضباط الأمن العام .. أسماء

بحضور جو جيوهيغان .. ملتقى أردنيون في إيرلندا يؤكد تعزيز التواصل ويدين مقتل الأميركية جيمي كارني

السعودية : تأشيرة عمرة متعددة الدخول .. تفاصيل

جريمة تهز الكرك .. طفلة تفقد حياتها على يد والدها وشقيقها

وفاة الفنانة الأردنية فتحية الفاعوري

بعد التطورات الأمنية الأخيرة .. مهم من موانئ العقبة

إيران تستهدف الأردن .. والجيش يسقط صواريخ