وقفة على «الأطلال»

وقفة على «الأطلال»

26-05-2025 03:42 AM

لنتخيل شاعرا رومانسيا متّقد الإحساس كتب قصيدة يَعدّها هو – كما يعدّها النقاد- أفضل ما كَتب فنيّا، ويُعجب بها الملحنون والمطربون فتُغنّى بدل المرة مرتين، ولكن عينه كانت على أعظم مطربة في عصره، فهو يدري أنها أقصر وأفضل طريق لخلود قصيدته، ومن ورائها قصة حبه. ولكن المطربة الكبيرة التي كانت تقول له عندما كان يعرض عليها قصائده «شعرك ما يتغناش» أخذت منه أيقونته، وسلّمتها لأحد أعظم من لحن القصائد، وغنّتها لتصبح واحدة من أفضل الأغاني العربية في القرن العشرين، بل أفضلها على ذمة استفتاء أجرته جريدة «لوموند» الفرنسية قبل ربع قرن. ولكن الشاعر الذي كان يحلم أن تغني الفنانة من شعره توفّي قبل ثلاثة عشر عاما من رؤية الأغنية النور، فلم يعش نجاحها وهي تُغنَّى على امتداد العالم العربي كله ولستة عقود كاملة، وقد صدق حين كتب في ختام قصيدته «كل شيء بقضاء»!
تلك قصة «الأطلال» القصيدة/الأغنية التي جمعت مطربة وملحنا وشاعرين. شاعران لأن من نظمها الشاعر الطبيب إبراهيم ناجي، ومن صنع منها أغنية الشاعر الذي نذر عمره لخدمة صوت أم كلثوم، أحمد رامي، ولا أشبِّه ما فعله رامي بالقصيدة إلا بما يفعله المخرج حين يقدّم قراءته الخاصة لرواية ما، فيصنع منها فيلما قد لا يشترك مع الرواية، سوى في العنوان، وهذا ما دفعني للتساؤل في مقال عنوانه «جسد القصيدة وثوب الأغنية» نشرته قبل أسبوعين في هذه الجريدة «هل كان إبراهيم ناجي يرضى بهذه العملية الجراحية التي أجرتها أم كلثوم على أطلاله؟ أم سيكون موقفه كموقف بدوي الجبل؟ الشاعر السوري الذي رفض استبدال كلمة واحدة من قصيدته وفاء لمن قيلت فيها، فحرم نفسه أن يصل شعره إلى مدى أكبر بكثير من قراء الشعر في الكتب عادة، وحرمنا «أطلالا» أخرى كان يمكن أن تصبحها قصيدته «شقراء» لو غنتها سيدة الطرب العربي.

عدد لا يحصى استمع إلى أغنية الأطلال وحفظ كلماتها، ولكن الكثير ممن استمع ملايين المرات على امتداد تسعة وخمسين عاما لهذه الأغنية (غنتها أم كلثوم أول مرة في 7/04/1966) لم يقرأ القصيدة كما كتبها صاحبها، ونشرها في ديوانه «ليالي القاهرة» سنة 1944 في 134 بيتا وليس 125 كما ورد في صفحته في الويكيبيديا ومواقع كثيرة. وحتى نعرف الفرق بين القصيدة والأغنية يكفي أن نذكر، أن أم كلثوم لم تغنِّ منها سوى أقل من خمسها، فالأطلال الأغنية تحوي 32 بيتا منها 7 أبيات من قصيدة أخرى لإبراهيم ناجي بعنوان «الوداع». وهذا الدمج بين القصيدتين ولّد خطأً آخر يكاد يصبح محلّ إجماع، ووقع فيه نقاد فنيون وإعلاميون، فلو بحثنا عمّن غنى «الأطلال» قبل أم كلثوم لأعطتنا نتيجة البحث ثلاثة أسماء: محمد صادق (1935) ونجاة علي (1955) وكارم محمود (1965)، والحقيقة أن نتيجتين من الثلاث نتائج خاطئتان، فسنة 1935 لم يكن ناجي قد كتب «الأطلال» بعد، ومنشأ الوهم أن محمد صادق غنى أبياتا من قصيدة «الوداع» التي نشرها ناجي في ديوانه «وراء الغمام» الصادر سنة 1934، ولأن أم كلثوم غنت سبعة أبيات من «الوداع» ضمن «الأطلال»، ظن المستمعون أنها من «الأطلال»، والأمر نفسه ينطبق على نجاة علي التي لحن لها محمد فوزي أحد عشر بيتا من قصيدة «الوداع»، اشتركت فيها مع أم كلثوم في ستة أبيات منها، وأضافت بيتا سابعا هو: وإذا النـور نذيـرٌ طـالـعٌ/ وإذا الفجر مطلٌ كالحريـق.

فلو قلنا إن محمد صادق ونجاة علي غنيا أبياتا من قصيدة «الوداع» قبل أم كلثوم لما جانبنا الحقيقة، أما كارم محمود فقد غنى مقطعين ثلاثيّين من قصيدة «الأطلال» أي ستة أبيات: مقطع «لست أنساك وقد أغريتني» ومقطع «أين مني مجلس أنت به» من ألحان محمد صادق نفسه بفترة قليلة قبل وفاته بداية 1966. وللمفارقة لو غنت أم كلثوم «الأطلال» كما كان مقررا لها بداية سنة 1963 لما سبقها أحد إليها، ولكن خلافا دبّ بينها وبين الملحن رياض السنباطي، بعد أن اكتمل اللحن، فطلبت منه أن ينزل بقفلة الأغنية «فإن الحظ شاء» إلى طبقة أقل، ولكن السنباطي أصر مستندا على معرفته الدقيقة بقدرات أم كلثوم الصوتية، وانسحب معتزلا غير متنازل، إلى أن أقنع عازف القانون في فرقة أم كلثوم محمد عبد صالح بصوابية رأي السنباطي، فأدّتها من دون تغيير بعد ثلاث سنوات كاملة، وللمفارقة أصبحت تلك القفلة ذات الطبقة العالية أفضل مقطع في الأغنية كلها، وقد استعادها الجمهور مرارا، ويقال يومها إن أم كلثوم توجهت من المسرح فجرا مباشرة إلى بيت رياض السنباطي لتشكره على ثقته في صوتها.
وفي حفلتها الأولى في سينما قصر النيل غاب اثنان عن فرحة نجاح الأغنية: إبراهيم ناجي صاحب القصيدة لوفاته قبل ذلك بسنوات، وأستاذ أم كلثوم وعازف العود في فرقتها محمد القصبجي لوفاته قبل الحفل بأيام، فبكته يوم غنت الأطلال، ووضعت على كرسيّه عوده ومن يومها أصبح الكرسي الذي يحمل عود القصبجي وروحه تقليدا ثابتا في حفلاتها.

صاحَبَ الاختلاف قصيدة «الأطلال» حتى في أصلها، فقد تضاربت الأقوال فيمن قيلت فيها، ولأن النصر له ألف أب، أما الهزيمة فيتيمة، فقد ادّعت أكثر من واحدة أن القصيدة كتبت فيها بعد أن ذاعت بصوت الستّ وانتشرت، فكلا الفنانتين زوزو حمدي وزوز ماضي نسبت القصيدة إلى إلهامها، وأخرجت الزوزُوَّتان ما في جعبتيهما من روشتات طبية باسم الطبيب إبراهيم ناجي عليها مقاطع من القصيدة، وكان من عادته أن يدوّن أشعاره على ما يقع بين يديه من أوراق، كما تُروى قصة تجعل من القصيدة حكاية رومانسية من حكايات ألف ليلة وليلة، حين يزعم مخترعها أن ناجي أحب في مراهقته ابنة الجيران، ثم سافر ليدرس الطب، فتزوجت هي، وبعد خمسة عشر عاما من انطفاء هذا الحب طرق بابه رجل ليلا يستدعيه لمساعدة زوجته في ولادة متعسرة، وعندما وصل إلى بيت الرجل وجد أن المرأة ليست سوى حبيبته السابقة، فأكمل واجبه الإنساني بتوليدها، وعاد إلى بيته لينزف شعرا فكانت قصيدة «الأطلال»، وهي قصة شاعرية تصلح للمسامرة لكنها لا تثبت أمام التحقيق العلمي ويكفي لنسفها أن نذكر أنّ ناجي درس الطب في القاهرة ولم يسافر.

أما الشاعر صالح جودت فقد اقترب كثيرا من معرفة ملهمة «الأطلال» حين ذكر في كتابه «إبراهيم ناجي حياته وشعره» الذي كتب مقدمته العقاد، أنها جارته في شبرا عنايات محمود الطوير مستندا إلى دلائل منها إهداء ناجي ديوانه «ليالي القاهرة» الذي يحوي قصيدة الأطلال «إلى صديقي ع .م الذي ندّى الزّهر الذابل من خمائل الماضي، وأنبت في روض الحاضر زهورًا نديّة مخضلة بالألم والحياة.. إليه أقدّم ما أوحى به إليّ»، ونسختْ رواية صالح جودت روايات من سبقه وأصبحتْ معتمدة إلى أن أصدرت حفيدة إبراهيم ناجي «سامية محرز» ابنة ابنته أميرة كتابها «إبراهيم ناجي زيارة حميمية تأخرت كثيرا» أثبتت فيه أن ع.م ليست عنايات محمود، بل أختها عليّة محمود الطوير، كما أكد ذلك أيضا حفيد عليّة نفسها نقلا عن والدته وجدّته. ولكن المهم في كل هذا أيا كانت ملهمة القصيدة فقد ذهبت وبقي الأثر الذي خلده ناجي في قصيدته، ولخصه بكلمات مختصرة جعلها مقدمة للقصيدة قال فيها «هذه قصة حب عاثر: التقيا وتحابا، ثم انتهت القصة بأنها هي صارت أطلال جسد، وصار هو أطلال روح، وهذه الملحمة تسجل وقائعها كما حدثت». ولكن… ماذا بقي من هذه الملحمة – كما وصفها صاحبها- في الأبيات الأربعة والعشرين التي اختارها رامي وغنتها «الست»؟ هل كان ناجي سيحتج على تغيير ملامح قصيدته وخلطها بقصيدة أخرى له، أو كان يفرح لأن أطلاله أصبحت بنيانا ضخما يتغنى به كل لسان عربي وتطرب له كل أذن. أتخيل إبراهيم ناجي معاتبا أم كلثوم التي ولدت معه للمصادفة في يوم واحد 31/12/1898، فتبتسم له بمودّة وتجيبه غناءً على الطبقة العالية التي تهيّبتها «يا حبيبي كل شيء بقضاء».

شاعرة وإعلامية من البحرين



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

وفد أميركي ينسحب من اجتماع لمجلس الأمن تنديدا بانتقادات فرنسية

إصابة 12 شخصاً بينهم طفل إثر عقر كلب ضال في إربد

3 شهداء و11 إصابة في خروقات إسرائيلية وتوسّع الاحتلال شرقي غزة

"النقل النيابية" تبحث مع مدربي القيادة تحديات قطاع تدريب السواقة

إطلاق نار قرب القنصلية الأميركية في تورونتو

العراق: لن نسمح باستخدام أراضينا لشن هجمات ضد دول الجوار

إعفاءات وتسهيلات جديدة لدعم الاستثمار في قطاع التعدين

حريق مجمع سفريات عجلون .. تجار يروون للسوسنة كيف فقدوا مصدر رزقهم

97 مليون دولار تمويلا فرنسيا جديدا للناقل الوطني للمياه

إدارة الترخيص: نتجه للتخلي عن الفحص العملي ليصبح آليا

مجلس الوزراء يقر نظام التنظيم الإداري للمؤسسة التعاونية الأردنية

الحكومة تمهد لإلغاء الملفات الورقية في المحاكم

الحكومة تقر نظام صندوق الحماية والرعاية الاجتماعية لعام 2026

الترخيص: لا وجود لإعادة الفحص عشرات المرات .. والحديث مجرد ترند

مجلس الوزراء يقر نظام الخبرة لدى المحاكم النظامية لعام 2026

الإطاحة بأكبر سارق للمياه في العقبة

جريمة تهز الكرك .. طفلة تفقد حياتها على يد والدها وشقيقها

تطور جديد في قضية جيمي كارني .. محققون إيرلنديون يزورون الأردن

هل نشهد حراكاً غير مسبوق في الجامعات؟ المادة 21 تضع مصدر دخل آلاف العاملين على المحك

‏وفاة أم وأطفالها الثلاث في حادث أليم على الطريق الصحراوي

إرادة ملكية بالموافقة على وكالات عدد من الوزراء .. أسماء

فضل شاكر وجورج وسوف بمجلس النواب الأردني .. ما القصة

انخفاض ملحوظ بأسعار الذهب محلياً اليوم

منع الشورت في الأردن .. تقرير شامل يرصد الجدل والآراء القانونية والإعلامية والشعبية

مهرجان أبوظبي 2026 يواصل فعالياته أكتوبر القادم

الدفاع المدني يتعامل مع حادث شخص محاصر داخل حفرة في منزله

إيقاف القسائم البلاستيكية .. مهم بشأن رخص القيادة والمركبات

تدهورت صحته وضعف بصره .. فنان مصري يعتزل التمثيل

قفزة كبيرة بأسعار الذهب محلياً اليوم

اتحاد منتجي الدواجن: نظام "الطيبات" يفاقم خسائر القطاع في مصر