الأردن جسرٌ للاستثمار وحارسٌ للاستقرار

الأردن جسرٌ للاستثمار وحارسٌ للاستقرار

27-09-2025 10:46 PM

مع بدء التحول في المشهد الدبلوماسي الإقليمي والدولي تجاه سوريا، واتجاه العديد من الدول إلى تطبيع علاقاتها مع دمشق، يقف الأردن على عتبة فرصة تاريخية لتعزيز مكانته الإقليمية وتحقيق مصالحه الوطنية. لم يعد الأمر يتعلق بمجرد استغلال الفرص الاقتصادية، بل بتصميم دور دبلوماسي استباقي يمكّن الأردن من أن يكون جسراً للاستثمارات الإقليمية إلى سوريا، وحارساً للاستقرار في المنطقة، مما يعزز أمنه القومي ويحقق مكاسب اقتصادية وسياسية طويلة الأمد.

بعد أكثر من عقد من الحرب والعزلة، تشهد سوريا حالياً انفتاحاً دبلوماسياً متدرجاً، إذ أعادت 15 دولة عربية فتح سفاراتها أو استئناف العلاقات الاقتصادية منذ عام 2022 وفق بيانات جامعة الدول العربية. كما يشير تقرير للبنك الدولي (2023) إلى أن إعادة إعمار سوريا قد تتطلب استثمارات تتجاوز 250 مليار دولار على مدى عقدين. هذا الرقم يعكس حجم الفرص، لكنه في الوقت ذاته يبرز المخاطر التنافسية، حيث تتسابق قوى إقليمية ودولية مثل إيران وروسيا وتركيا والصين لتأمين موطئ قدم في السوق السورية.

يتمتع الأردن بموقع جيوسياسي فريد يجعله همزة الوصل الطبيعية بين الخليج وسوريا. ومع امتلاك دول الخليج احتياطيات مالية تتجاوز 2.9 تريليون دولار بحسب صندوق النقد الدولي (2024)، ورغبتها في الاستثمار بحذر في إعادة الإعمار، يمكن للأردن أن يقدّم نفسه كضامن وشريك آمن. صيغة عملية مقترحة تقوم على "التمويل الخليجي – الإدارة الأردنية – التنفيذ في سوريا"، حيث يقدّم الخليج التمويل، وتتولى الشركات الأردنية الإدارة، فيما يتم التنفيذ على الأرض السورية عبر شراكات محلية.

وفق غرفة صناعة الأردن، بلغت الاستثمارات الأردنية في مشاريع مرتبطة بسوريا نحو 50 مليون دولار خلال 2022–2023، مع توقعات بارتفاعها إلى 200 مليون دولار بحلول 2028، وهو ما يفتح فرصاً لآلاف الوظائف الأردنية. هذه الأرقام تعكس إمكانية الأردن في تحويل موقعه الجغرافي إلى رافعة اقتصادية حقيقية، وتمنحه فرصة لتثبيت دوره كفاعل إقليمي لا يقتصر على الجانب الأمني فقط. الأهم أن هذه الاستثمارات يمكن أن تخفف من ضغوط البطالة المرتفعة التي تتجاوز 21% وفق دائرة الإحصاءات العامة (2024)، وتساعد على تنشيط الاقتصاد المحلي بما ينعكس على الإيرادات الحكومية. وفي حال توسعت الاستثمارات إلى نصف مليار دولار بحلول 2030، فإن مساهمتها قد ترفع الناتج المحلي الإجمالي بما يخفف من أعباء الدين العام الذي يقترب من 110% من الناتج المحلي.

تعزيز هذا الدور الوسيط لا يرفع الاقتصاد الأردني فقط، بل يمنحه نفوذاً سياسياً متزايداً. إذ يمكن لعمان أن تصبح منصة رئيسية للحوار حول قضايا أمنية إقليمية مثل مكافحة الإرهاب وتهريب المخدرات. وقد أشار تقرير الأمم المتحدة لعام 2023 حول المخدرات إلى أن 80% من شحنات الكبتاغون التي تم ضبطها في المنطقة كانت في طريقها عبر الحدود السورية-الأردنية، وهو ما يجعل حماية الحدود الأردنية قضية إقليمية ودولية في آن معاً، وليست محلية فحسب.

التعامل مع الملف السوري يفرض على الأردن دبلوماسية مرنة ومتعددة الأبعاد. فهو يتعامل مع روسيا وإيران كفاعلين مؤثرين على الأرض، ومع الولايات المتحدة التي ما زالت تفرض عقوبات "قانون قيصر"، ومع دول الخليج كممول محتمل. التحدي يكمن في تجنب الانحياز المطلق لأي طرف، والحفاظ على مسافة تتيح للأردن حماية مصالحه الوطنية وفي مقدمتها أمن الحدود واستقرار سوريا.

في أفضل السيناريوهات المستقبلية، ينجح الأردن في بناء صيغة اقتصادية – دبلوماسية تجعله شريكاً رئيسياً في إعادة الإعمار، ويرتفع حجم الاستثمارات المرتبطة بسوريا إلى أكثر من 500 مليون دولار بحلول 2030، مع تراجع تهريب المخدرات عبر الحدود بنسبة تفوق 60% نتيجة تعاون أمني إقليمي، وتعزيز مكانة الأردن كوسيط محايد قادر على جذب دعم مالي من مؤسسات دولية مثل البنك الدولي وصناديق الإعمار الخليجية. هذا السيناريو سيساعد في خلق وظائف إضافية للشباب الأردني، ويمنح المالية العامة متنفساً يخفف تدريجياً من عجز الموازنة والدين العام.

أما في أسوأ السيناريوهات، فقد تستمر العقوبات الغربية بل وتتوسع، مما يعيق دخول الشركات الأردنية إلى السوق السورية. كما قد تحدّ المنافسة الإقليمية خصوصاً من تركيا وإيران من قدرة الأردن على لعب دور الوسيط. وفي حال تصاعدت التهديدات الأمنية على الحدود مع ازدياد تهريب المخدرات والإرهاب، فقد يفرض ذلك على الأردن أعباء أمنية ومالية إضافية تتجاوز مليار دولار سنوياً وفق تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية لعام 2024، مما يفاقم الضغوط على الموازنة ويبطئ فرص خفض الدين العام.

إن التحول الدبلوماسي حول سوريا يمثل اختباراً للذكاء الاستراتيجي الأردني. عبر الجمع بين دوره الجغرافي والاقتصادي والدبلوماسي، يمكن للأردن أن يحول حدوده من عبء إلى مصدر قوة، وأن يصبح جسراً للاستثمار، منصة للحوار، وحارساً للاستقرار. التحدي كبير، لكن النجاح في إدارة هذا الملف سيمنح الأردن مكاسب اقتصادية وأمنية وسياسية قد تعيد رسم مكانته الإقليمية لعقود قادمة.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

عرض مسرحي في الفحيص بعنوان "القناطر"

الطقس: موجة دافئة مؤقتة تسبق مؤشرات اندفاع "المرتفع السيبيري" المبكر

أنشطة وبرامج توعوية وتدريبية في عدد من المحافظات

جاهزية ستاد الحسن تحت المتابعة الحكومية في إربد

المفرق: إنقاذ شخص سقط من مقطع صخري بعمق 40 مترا وحالته حرجة

طهران تتلقى رسالة من نائب الرئيس الأميركي وتؤكد استمرار إغلاق هرمز

سوء الحظ يطارد هاري كين ودورتموند يفرض التعادل

الأردن يشارك في اجتماعات الأكاديمية العربية للنقل البحري بالقاهرة

روسيا تمدد حظر تصدير الديزل حتى نهاية كانون الثاني المقبل

عمره 4.1 مليار عام .. نيزك نادر من المريخ يكشف أسرار قشرة الكوكب المبكرة

خبير أمني مصري يحذر من طموحات إثيوبيا العسكرية في البحر الأحمر

غارات وقصف إسرائيلي على جنوب لبنان

الشيخ عبدالله ذنيبات يطالب بإعدام مرتكبي جريمة الكرك أمام الناس

الحسين إربد يهزم الفيصلي بهدف نظيف في دوري المحترفين

فرنسا: توقيف أكثر من 290 شخصا واشتباكات بين الشرطة والمحتجين

مصدر طبي يكشف لـ"السوسنة" الحالة الصحية لمنفذي هجوم الكرك

الراحل المسيحي محمد قسوس .. لماذا اختار له والده هذا الاسم؟

"أعطل من نتنياهو" .. عبارة تقود طبيبا اردنيا إلى السجن 6 أشهر

الضمان الاجتماعي يعلن تسهيلات جديدة للأردنيين .. تفاصيل

السجن بحق 7 من قادة الإخوان بالأردن .. أسماء

إنهاء خدمات موظفين حكوميين .. أسماء

بعد اشتعال مواقع التواصل بالخبر .. حقيقة القبض على منفذي هجوم الكرك

بالفيديو .. لحظة مداهمة منفذي هجوم الكرك والقبض عليهم

ثأراً لشهداء الكرك .. الأردن ينفذ عملية جوية في سوريا .. التفاصيل

وفاة طفل تهز مركز أشعة في عمان .. وإغلاقه بالشمع الأحمر

القبض على طلبة مدارس جندتهم جماعات تكفيرية عبر الإنترنت

الأردن يقبض على عشرات المتورطين .. التفاصيل

إرادة ملكية بتعيين الأمير هاشم بن الحسين مستشارا للملك

تعديلات قانون التنفيذ: ضوابط جديدة لمنع سفر المدين وآليات حديثة لسداد الديون

الأمن العام يكشف كيف اتخذ منفذو جريمة الكرك قرارهم