قراءة تحليلية في خطاب الموازنة للعام 2026

قراءة تحليلية في خطاب الموازنة للعام 2026

11-11-2025 02:23 PM

يبدو مشروع موازنة 2026 كخريطة مفتوحة على احتمالات اقتصاد يسعى إلى تجاوز حدوده الطبيعية، موازنة تمشي فوق خيط مشدود بين ضروراتٍ لا ترحم، وطموحاتٍ لا تحتمل التأجيل، هي ليست مجرد أرقام، بل محاولة لإعادة ترتيب البيت الاقتصادي الأردني كي يقف على أعمدة أكثر صلابة وأقل هشاشة، فالدين العام ليس رقمًا جامدًا، بل ظلّ ممتدّ فوق جسد المالية العامة؛ كلما توسّع ظلّه ضاق الحيّز المالي، وكلما حاولت الدولة تقليص كلفته أعاد التذكير بأنه الهيكل الأثقل في مسيرة الاقتصاد الوطني، ورغم نجاح الحكومة في استبدال سندات مرتفعة الكلفة بقروض ميسّرة، فإن خدمة الدين التي تتجاوز 2.26 مليار دينار تظل بمثابة ضريبة على المستقبل، تستنزف جزءًا هاما من كل عام قبل أن يبدأ، أما العجز المقدر لعام 2026، والبالغ 2.125 مليار دينار (4.6% من الناتج)، فهو أشبه بجرحٍ قديم يُعاد تضميده دون أن يُشفى بالكامل، صحيح أن النسبة تتحسن مقارنة بعام 2025، لكن بنية العجز ما زالت تعكس توازنًا هشًا بين التوسع الرأسمالي لتغذية النمو، والاضطرار للاقتراض لتغطية النفقات الجارية.
وفي المشهد الخارجي، لا يزال عجز الميزان التجاري يفرض حضوره: فجوة تاريخية بين ما يُنتج وما يُستورد، ورغم تحسّن الصادرات والسياحة والتحويلات، فإن قدرة الاقتصاد على تعويض حجم الواردات ما تزال محدودة، ما يجعل الحساب الجاري عند مستوى 5.8% انعكاسًا لضعف هيكلي لا يُحل بتقلبات سنة واحدة، ويقترب من هذه الفجوة اعتمادٌ آخر لا يمكن تجاهله: فالمنح والمساعدات الخارجية التي تُقدّر بنحو 735 مليون دينار، هي أشبه بعمودٍ إضافي يُسند البناء كل عام، لكنها عمادة دائمة تجعل الاستقلال المالي هدفًا مؤجلاً، ورغم تحسن الإيرادات المحلية، تبقى للعوامل الخارجية أثرًا واضحًا في هندسة الموازنة، وفي قلب النفقات، تتكرر ملامح موازنة السنوات الماضية: فالرواتب، الأجور، التقاعد والأمن تستحوذ على 60% من النفقات الجارية، وهذه الكلفة الهيكلية تشبه شجرة ضخمة ضاربة جذورها في عمق الأرض المالية، مهما تم تقليمها تبقى هي الحصة الأكبر من الظل.
ومع ذلك، فإن هذه الموازنة ليست استنساخًا كاملاً لما سبق؛ هناك شيء جديد يتلمّس طريقه:
مشاريع كبرى: "الناقل الوطني، الطاقة، التنقيب، النقل، السكك الحديدية"، مشاريع ليست هوامش إنشائية بل محاولات لصياغة اقتصاد مختلف؛ اقتصاد يزرع تحت الأرض ليحصد فوقها، ويستبدل سياسة "إدارة الفجوات" بسياسة "صناعة النمو"، وهنا يظهر عنصر بالغ الأهمية؛ عنصر لا يوجد في الجداول، ولا في قانون الموازنة ذاته، لكنه موجود في بنية الثقة المؤسسية للدولة: (الثقة )، هذه العملة المعنوية الثمينة التي لا تظهرها الحسابات، مصدرها الأول المكانة المرموقة للقيادة الهاشمية، وما تحظى به من تقدير عالمي ووزن سياسي واقتصادي فاعل، فهذه المكانة ليست وصفًا بل واقعًا يتحوّل إلى استثمارات، إلى شراكات، إلى دعم دولي، إلى قدرة على استقطاب تمويلات بشروط أفضل، وإلى مظلة استقرار وسط إقليم صاخب.
وإذا كان هذا هو رصيد القيادة، فثمة رصيد آخر يجب أن يُضاف إليه، وهو دور مجلس الامة، فالمرحلة القادمة لا تحتمل إضاعة وقت المداولة في مطالب جزئية أو خدماتية تُرهق الموازنة ولا تبنيها، فالدور الحقيقي للمجلسين هو اثراء النقاش، تدعيم المحفزات، توسيع أفق الإيجابيات، وحماية الجانب الاستثماري والرأسمالي للموازنة، لا تحويلها إلى دفتر مطالب وموازنات فرعية داخل الموازنة العامة، لذلك نعول عليهما ممارسة دورهما كرافعة إصلاح لا كقائمة احتياجات، أن يساندا التحول الاقتصادي لا أن يثقلا عليه، أن يكونا شريكًا في صناعة نمو مستدام لا شريكًا في استنزاف الحيّز المالي، فالموازنة، مهما بدت محكمة، تبقى خريطة لا يكتمل طريقها إلا بمؤسسات تقرأها بالطريقة الصحيحة.
وختاما يمكن القول إن موازنة 2026 تعلن أن الأردن قرر، رغم الظروف وضيق الطوق، أن يمشي إلى الأمام، وأن يوسّع طريقه بالمشاريع والتنمية، وأن يوازن بين العقل المالي والطموح الاقتصادي، وأن الثقة، بثنائية القيادة الحكيمة والدولة الواعية بمسؤولياتها، هي الجسر الذي ستعبر فوقه هذه الأرقام نحو واقع جديد، إنها موازنة تقول بلغة هادئة: الأردن لا يملك رفاهية الفشل، ولا ترف الانتظار، ولذلك سيحاول أن يمشي فوق الحبل… ولكن بخطوات محسوبة، وبعينٍ على هاوية العجز وأخرى على أفق النمو.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

الذهب والنفط وفلس الريف .. "الطاقة" تستعرض تقدم مشاريعها الاستراتيجية

الصادرات الأردنية للاتحاد الأوروبي ترتفع إلى 411 مليون دينار

5 شهداء ومصابون في قصف الاحتلال مواصي خانيونس بغزة

مجمع الملك الحسين للأعمال يوقع مذكرة تفاهم مع اتحاد الرياضات الإلكترونية

انطلاق المؤتمر الفني الدولي الـ38 للاتحاد العربي للأسمدة بعمان الثلاثاء

ميتا تدخل عالم الروبوتات البشرية عبر "ماكس"

فريق الاتحاد في صدارة دوري المحترفات لكرة القدم

توقيع اتفاقية لتعزيز الاستفادة من خدمات الاستعلام الائتماني

الإحصاءات العامة تمدد أعمال التعداد لاستكمال تغطية جميع مناطق المملكة

تفاهمات 4 كتل نيابية تسبق افتتاح الدورة العادية وحسم مواقع "المكتب الدائم"

وزارة العمل: تحديد الفئات الملزمة بإصدار تصاريح العمل .. تفاصيل

ارتفاع أسعار المنتجين الصناعيين لشهر أيلول بنسبة 5.41 بالمئة

سلف إلكترونية لمنتسبي الأمن العام عبر "صندوق الائتمان العسكري"

أعضاء مجلس مفوضي البترا التنموي السياحي يؤدون القسم القانوني

الزرقاء: إطلاق الدورة الـ20 لـ مكتبة الأسرة الأردنية

مصدر طبي يكشف لـ"السوسنة" الحالة الصحية لمنفذي هجوم الكرك

"أعطل من نتنياهو" .. عبارة تقود طبيبا اردنيا إلى السجن 6 أشهر

الضمان الاجتماعي يعلن تسهيلات جديدة للأردنيين .. تفاصيل

السجن بحق 7 من قادة الإخوان بالأردن .. أسماء

إنهاء خدمات موظفين حكوميين .. أسماء

بعد اشتعال مواقع التواصل بالخبر .. حقيقة القبض على منفذي هجوم الكرك

بالفيديو .. لحظة مداهمة منفذي هجوم الكرك والقبض عليهم

ثأراً لشهداء الكرك .. الأردن ينفذ عملية جوية في سوريا .. التفاصيل

وفاة طفل تهز مركز أشعة في عمان .. وإغلاقه بالشمع الأحمر

الأردن يقبض على عشرات المتورطين .. التفاصيل

إرادة ملكية بتعيين الأمير هاشم بن الحسين مستشارا للملك

تعديلات قانون التنفيذ: ضوابط جديدة لمنع سفر المدين وآليات حديثة لسداد الديون

الأمن العام يكشف كيف اتخذ منفذو جريمة الكرك قرارهم

ما قصة أسماء محافظات الأردن؟ حكايات تختبئ خلف أسماء 12 محافظة

أردنيون أمام مهلة شهرين لتسديد التزامات مالية .. أسماء