غرينلاند نموذج جديد لصراع الموارد والسيادة

غرينلاند نموذج جديد لصراع الموارد والسيادة
غرينلاند

18-01-2026 09:58 PM

في خضم التحولات المتسارعة في النظام الدولي، تعود إلى الواجهة مقاربات سياسية تعيد إلى الأذهان منطق القوة وتجاوز القانون، ويبدو أن ما يُنسب إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من نوايا لضم جزيرة غرينلاند، التابعة للسيادة الدنماركية، يندرج في هذا السياق المقلق الذي يهدد أسس العلاقات الدولية المعاصرة.

نعتقد أن التعامل مع أراضي الدول بوصفها صفقات محتملة أو مكاسب جيوسياسية قابلة للشراء أو الفرض، يشكل انحدارًا خطيرًا في الخطاب السياسي الدولي، ويمثل اعتداءً صريحًا على مبدأ سيادة الدول الذي يُعد حجر الزاوية في القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. فغرينلاند ليست أرضًا بلا هوية، ولا فراغًا سياسيًا، بل إقليم يتمتع بوضع قانوني واضح، وسكان لهم حق تقرير مصيرهم بعيدًا عن الإملاءات الخارجية.

وتكشف التحليلات التي قدّمها الخبير الصناعي الروسي ليونيد خازانوف أن الدوافع الاقتصادية تقف بقوة خلف هذه التوجهات. إذ يرى أن ضم غرينلاند سيشكّل إثراءً كبيرًا للاقتصاد الأمريكي، نظرًا لما تحتويه الجزيرة من موارد طبيعية ضخمة تشمل النفط، واليورانيوم، والمعادن الأرضية النادرة، والموليبدينوم، والغرافيت. ورغم إقراره بأن السيطرة على الجزيرة قد تفرض على واشنطن تكاليف سنوية تصل إلى مليار دولار لدعم اقتصادها المحلي القائم أساسًا على صيد الأسماك، إلا أنه يعتبر هذه الكلفة ضئيلة قياسًا بالعوائد المحتملة على المدى البعيد.

نرى أن هذا المنطق الاقتصادي، الذي يُقدَّم أحيانًا بصفته تبريرًا استراتيجيًا، لا يمكن أن يكون غطاءً لانتهاك سيادة الدول أو شرعنة التوسع القسري. ويبدو أن حديث خازانوف عن الأهداف بعيدة المدى لترامب، والمتمثلة في توسيع قاعدة المواد الخام المعدنية للولايات المتحدة وتقليص اعتمادها على الاستيراد، يكشف جوهر المقاربة القائمة على تأمين الموارد بأي ثمن، حتى لو كان ذلك على حساب القانون الدولي.

الأخطر من ذلك، أن الرهان على الاحتباس الحراري العالمي بوصفه عاملًا مساعدًا مستقبليًا لتسهيل استغلال الثروات الكامنة تحت الغطاء الجليدي، يعكس رؤية براغماتية بحتة تتجاهل الأبعاد البيئية والإنسانية، وتتعامل مع التغير المناخي كفرصة اقتصادية لا كأزمة عالمية تهدد البشرية جمعاء.

ورغم نفي ترامب المتكرر أن تكون المعادن النادرة الدافع الرئيسي وراء مساعيه، إلا أن تصريحات مسؤولين في إدارته، بينهم المندوب الأمريكي لدى الأمم المتحدة ومستشار الأمن القومي السابق مايك والتز، تؤكد أن هذه الموارد تشكّل عاملًا محوريًا إلى جانب البعد الأمني، في ظل احتدام المنافسة الدولية على سلاسل توريد المواد الاستراتيجية. وهنا نستنتج أن المسألة تتجاوز مجرد أفكار عابرة، لتلامس مشروعًا سياسيًا واقتصاديًا متكاملًا يعيد تعريف النفوذ بالقوة والضغط.

ولا يمكن فصل هذه الطموحات عن التصعيد الذي مارسه ترامب عبر التلويح بفرض رسوم جمركية عقابية على ثماني دول أوروبية، من بينها الدنمارك، في محاولة واضحة لفرض أمر واقع سياسي واقتصادي. وهو ما نراه سلوكًا يتناقض مع أبسط قواعد الشراكة بين الحلفاء، ويكشف استعدادًا لاستخدام الأدوات الاقتصادية كسلاح سياسي لانتزاع تنازلات سيادية، في وقت ترفض فيه كوبنهاغن وسلطات غرينلاند بشكل قاطع أي مساس بحقوقها وقرار سكانها.

لا بد أن يكون واضحًا أن ضم الأراضي بالقوة أو تحت الضغط الاقتصادي يشكل انتهاكًا صارخًا لميثاق الأمم المتحدة، الذي يحظر التهديد أو استخدام القوة ضد سلامة أراضي الدول أو استقلالها السياسي. ويجب أن يدق هذا الملف ناقوس الخطر أمام المجتمع الدولي، لأن التغاضي عن مثل هذه السوابق يفتح الباب أمام فوضى سياسية عالمية، يصبح فيها الأقوى هو صاحب الحق.

وفي المحصلة، نرى أن قضية غرينلاند ليست مجرد خلاف عابر أو مناورة تفاوضية، بل اختبار حقيقي لمدى التزام القوى الكبرى بالقانون الدولي. ويبدو أن التساهل مع منطق القوة سيقود إلى عالم أقل استقرارًا، وأكثر ميلًا للصدام، حيث تُقايَض السيادة بالموارد، وتُختزل إرادة الشعوب في حسابات المصالح. وهنا، يصبح الدفاع عن القانون الدولي ليس خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل ضرورة سياسية لحماية النظام العالمي من الانزلاق إلى شريعة الغاب.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

تشيلسي يضم مورغان روجرز في صفقة قياسية للاعب إنجليزي

عون وترامب يتفقان على مواصلة التنسيق الأمني والدفاعي والاقتصادي

الدفاعات الجوية الكويتية تتصدى لطائرات مسيّرة إيرانية

تكلفة الحرب مع إيران بلغت 37.5 مليار دولار حتى الآن

إيران تحذر من أي هجوم على المراكز النووية والحساسة

إسرائيل تحتجز قياديا بمنظمة التحرير بالقدس لساعات وتفرج عنه بشروط

الدولار يصعد مع زيادة سعر النفط جراء التطورات بالشرق الأوسط

فنربهتشه التركي يكتفي بهدف في الفوز على غورنيك زابجة البولندي

الموازي في الجامعات الأردنية، بين ضبط الإنفاق وصون الكفاءات وحماية الاستقرار المعيشي

إسرائيل تفرج عن 3 لبنانيين بعد ساعات من احتجازهم بالجنوب

الحنيطي يبحث مع خبراء مراكز الفكر الأميركية مستجدات المنطقة

بعد حظر لعقود .. ترامب يوجه بالسماح برحلات أمريكية مباشرة إلى لبنان

لقطات من استقبال الطاقم التحكيمي الأردني المشارك بكأس العالم 2026 .. صور

صدمات

الفيصلي يتعاقد مع إحسان حداد لموسمين

«الجنرال» يشعل فضول الأردنيين .. هل صنعت قيود الإعلام نجومية الحسابات المجهولة؟

لماذا أثارت المادة (21) من قانون الجامعات الجدل؟ .. قراءة في مخاوف آلاف العاملين

فيديو .. حادث سير مروع في الزرقاء

الإطاحة بأكبر سارق للمياه في العقبة

حقيقة التصريحات المنسوبة للصفدي حول مقتل جنديين أمريكيين بالأردن

البوتاس والفوسفات توقعان اتفاقية لإنشاء مجمع صناعي

بيان مهم صادر عن القوات المسلحة الأردنية

الاعتداء على الجنرال The General Inspector .. حين تصبح كرامة المواطن الأردني قضية وطن

تنقلات بين كبار ضباط الأمن العام .. أسماء

بحضور جو جيوهيغان .. ملتقى أردنيون في إيرلندا يؤكد تعزيز التواصل ويدين مقتل الأميركية جيمي كارني

السعودية : تأشيرة عمرة متعددة الدخول .. تفاصيل

جريمة تهز الكرك .. طفلة تفقد حياتها على يد والدها وشقيقها

وفاة الفنانة الأردنية فتحية الفاعوري

بعد التطورات الأمنية الأخيرة .. مهم من موانئ العقبة

إيران تستهدف الأردن .. والجيش يسقط صواريخ