غرينلاند نموذج جديد لصراع الموارد والسيادة
في خضم التحولات المتسارعة في النظام الدولي، تعود إلى الواجهة مقاربات سياسية تعيد إلى الأذهان منطق القوة وتجاوز القانون، ويبدو أن ما يُنسب إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من نوايا لضم جزيرة غرينلاند، التابعة للسيادة الدنماركية، يندرج في هذا السياق المقلق الذي يهدد أسس العلاقات الدولية المعاصرة.
نعتقد أن التعامل مع أراضي الدول بوصفها صفقات محتملة أو مكاسب جيوسياسية قابلة للشراء أو الفرض، يشكل انحدارًا خطيرًا في الخطاب السياسي الدولي، ويمثل اعتداءً صريحًا على مبدأ سيادة الدول الذي يُعد حجر الزاوية في القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. فغرينلاند ليست أرضًا بلا هوية، ولا فراغًا سياسيًا، بل إقليم يتمتع بوضع قانوني واضح، وسكان لهم حق تقرير مصيرهم بعيدًا عن الإملاءات الخارجية.
وتكشف التحليلات التي قدّمها الخبير الصناعي الروسي ليونيد خازانوف أن الدوافع الاقتصادية تقف بقوة خلف هذه التوجهات. إذ يرى أن ضم غرينلاند سيشكّل إثراءً كبيرًا للاقتصاد الأمريكي، نظرًا لما تحتويه الجزيرة من موارد طبيعية ضخمة تشمل النفط، واليورانيوم، والمعادن الأرضية النادرة، والموليبدينوم، والغرافيت. ورغم إقراره بأن السيطرة على الجزيرة قد تفرض على واشنطن تكاليف سنوية تصل إلى مليار دولار لدعم اقتصادها المحلي القائم أساسًا على صيد الأسماك، إلا أنه يعتبر هذه الكلفة ضئيلة قياسًا بالعوائد المحتملة على المدى البعيد.
نرى أن هذا المنطق الاقتصادي، الذي يُقدَّم أحيانًا بصفته تبريرًا استراتيجيًا، لا يمكن أن يكون غطاءً لانتهاك سيادة الدول أو شرعنة التوسع القسري. ويبدو أن حديث خازانوف عن الأهداف بعيدة المدى لترامب، والمتمثلة في توسيع قاعدة المواد الخام المعدنية للولايات المتحدة وتقليص اعتمادها على الاستيراد، يكشف جوهر المقاربة القائمة على تأمين الموارد بأي ثمن، حتى لو كان ذلك على حساب القانون الدولي.
الأخطر من ذلك، أن الرهان على الاحتباس الحراري العالمي بوصفه عاملًا مساعدًا مستقبليًا لتسهيل استغلال الثروات الكامنة تحت الغطاء الجليدي، يعكس رؤية براغماتية بحتة تتجاهل الأبعاد البيئية والإنسانية، وتتعامل مع التغير المناخي كفرصة اقتصادية لا كأزمة عالمية تهدد البشرية جمعاء.
ورغم نفي ترامب المتكرر أن تكون المعادن النادرة الدافع الرئيسي وراء مساعيه، إلا أن تصريحات مسؤولين في إدارته، بينهم المندوب الأمريكي لدى الأمم المتحدة ومستشار الأمن القومي السابق مايك والتز، تؤكد أن هذه الموارد تشكّل عاملًا محوريًا إلى جانب البعد الأمني، في ظل احتدام المنافسة الدولية على سلاسل توريد المواد الاستراتيجية. وهنا نستنتج أن المسألة تتجاوز مجرد أفكار عابرة، لتلامس مشروعًا سياسيًا واقتصاديًا متكاملًا يعيد تعريف النفوذ بالقوة والضغط.
ولا يمكن فصل هذه الطموحات عن التصعيد الذي مارسه ترامب عبر التلويح بفرض رسوم جمركية عقابية على ثماني دول أوروبية، من بينها الدنمارك، في محاولة واضحة لفرض أمر واقع سياسي واقتصادي. وهو ما نراه سلوكًا يتناقض مع أبسط قواعد الشراكة بين الحلفاء، ويكشف استعدادًا لاستخدام الأدوات الاقتصادية كسلاح سياسي لانتزاع تنازلات سيادية، في وقت ترفض فيه كوبنهاغن وسلطات غرينلاند بشكل قاطع أي مساس بحقوقها وقرار سكانها.
لا بد أن يكون واضحًا أن ضم الأراضي بالقوة أو تحت الضغط الاقتصادي يشكل انتهاكًا صارخًا لميثاق الأمم المتحدة، الذي يحظر التهديد أو استخدام القوة ضد سلامة أراضي الدول أو استقلالها السياسي. ويجب أن يدق هذا الملف ناقوس الخطر أمام المجتمع الدولي، لأن التغاضي عن مثل هذه السوابق يفتح الباب أمام فوضى سياسية عالمية، يصبح فيها الأقوى هو صاحب الحق.
وفي المحصلة، نرى أن قضية غرينلاند ليست مجرد خلاف عابر أو مناورة تفاوضية، بل اختبار حقيقي لمدى التزام القوى الكبرى بالقانون الدولي. ويبدو أن التساهل مع منطق القوة سيقود إلى عالم أقل استقرارًا، وأكثر ميلًا للصدام، حيث تُقايَض السيادة بالموارد، وتُختزل إرادة الشعوب في حسابات المصالح. وهنا، يصبح الدفاع عن القانون الدولي ليس خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل ضرورة سياسية لحماية النظام العالمي من الانزلاق إلى شريعة الغاب.
البلطجة ومنطق السطوة تجاوز على المجتمع والقانون
عندما يُجمع الأردنيون: دروس في الوطنية من حالة أبو ثامر
الفوسفات الأردنية نموذج وطني للريادة المؤسسية والتنمية الاقتصادية
القط الحبشي الروسي يتوج بلقب أجمل قط على الكوكب لعام 2025
وزارة الشباب تطلق معسكرات الحسين للعمل والبناء الشتوية
بلديات المملكة تستقبل الأمطار بإجراءات وقائية
عصابة باريو 18 تشعل الفوضى في سجون غواتيمالا
مؤتمر في إربد حول المرأة ودورها في التحديث
نيوجيرسي تحظر الهواتف الذكية في المدارس
النائب القباعي: شركات كهرباء أقرت بتقسيم فاقد الكهرباء على المشتركين
محمد رمضان يكشف استبعاده من الغناء في نهائي كأس أمم إفريقيا 2025
مديرية الأمن العام تحذر من الاستخدام الخاطئ للتدفئة