ترشيح المالكي تعبير عن المأزق السياسي لسلطة الإسلام الشيعي الحاكم

ترشيح المالكي تعبير عن المأزق السياسي لسلطة الإسلام الشيعي الحاكم

28-01-2026 10:37 PM

إنّ اختطاف نيكولاس مادورو من مخدعه، هو وزوجته، على يد قوات دلتا الأمريكية، وأمام مسمع ومرأى العالم، ما زال يُلقي بظلاله على جميع المعارضين للسياسة الأمريكية في العالم.

وعلى الرغم من استعداد المالكي للتوقيع صكّ على بياض للإدارة الأمريكية، وتعهداته بحلّ الميليشيات، وأن يكون مطيعًا للسياسة الأمريكية، بحسب التسريبات الإعلامية التي أعقبت لقاءه بالقائم بالأعمال الأمريكي في بغداد، وهو أمر مشهود له تاريخيًا، منذ أن تم اختياره من قبل المبعوث الأمريكي زلماي خليل زاد للإدارة الأمريكية إبان غزو واحتلال العراق عام 2006 رئيسًا للوزراء؛ وعلى الرغم من سجلّ يثبت، للتاريخ، وفاء بتعهداته وانقلابه على مواقفه عند الحاجة، فإنّ المالكي يمثّل حقبةً عفا عليها الزمن.

إنها حقبة كانت تُدار فيها الأزمة السياسية في العراق والمنطقة، وكان الجميع يعيش على «خبز يومه». فالمالكي كان نتاج مرحلة الصراع الطائفي في المنطقة، وهي مرحلة انتقالية بين غزو العراق واحتلاله، وما نتج عنه لاحقًا ممّا سُمّي بـ«الربيع العربي»؛ أي مرحلة «الفوضى الخلّاقة» بتعبير آخر التي تعود براءة ابتكارها، إلى وزيرة الخارجية الأمريكية في ادارة جورج بوش الابن كوندوليزا رايس. وكان المالكي أحد أبطال تلك المرحلة، التي طُويت صفحاتها واسقطته سياسيًا.

إنّ مشكلة المالكي ليست في تغيّر مواقفه عند الضرورة، ولا في تبديل ولاءاته عند الحاجة، كما فعل حين كان في الخندق الأمريكي، وتصدى بيديه العاريتين للأحذية التي رُميت على جورج بوش الابن في مؤتمر صحفي ببغداد في نهاية عام ٢٠٠٨ - بعد التوقيع على اتفاقية الإطار الاستراتيجي بين العراق والولايات المتحدة الامريكية- من قبل أحد الصحفيين، ثم تحوّل لاحقًا إلى خندق الدفاع عن نظام بشار الأسد، بعد ما سمي "بالربيع العربي" الذي كان يكنّ له العداء ويتهمه سابقًا بتمويل الإرهاب وإرسال عناصر القاعدة لتنفيذ عمليات انتحارية. وهو، أي المالكي، إلى حدّ بعيد، يشبه الرئيس السوري الحالي (أبو محمد الجولاني سابقًا – أحمد الشرع حاليًا). غير أنّ الفارق بينهما أنّ الشرع ظهر في مرحلة ما بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر ٢٠٢٣، واستطاع أن يغيّر مظهره وخطابه، وأن يتقدّم بدعم سياسي وعسكري واعلامي لاعب جديد في المنطقة، وهو «تركيا القومية الجديدة» بزعامة رجب طيب أردوغان. في المقابل، ظلّ المالكي أسير إرثه السياسي المرتبط بالأفول الأيديولوجي والسياسي والهوياتي لنظام سياسي هو الجمهورية الإسلامية، وما زال ذلك النظام يمسك بتلابيبه، غير قادر على الفكاك النهائي منه، كما فعل الشرع حين تخلّى عن ولاءاته القديمة.

ولابد الإشارة والتوكيد أنّ مشكلة المالكي أعمق من ذلك؛ فهي ليست مشكلة شخصية، ولا في تطلعاته وطموحه السياسي، بل تكمن المشكلة في سلطة الإسلام السياسي الشيعي المتجسّدة في «الإطار التنسيقي». إنّ ترشيح تجربة المالكي هو، بلا أي مواربة، تعبير صريح عن مأزق هذه السلطة، وغياب استراتيجية واضحة لديها وعجزها عن تجاوز المرحلة التاريخية التي تمرّ بها المنطقة، التي نوهنا إليها في مناسبات اخرى.

ففي الوقت الذي تتساقط فيه أحجار الدومينو للنفوذ الإيراني واحدًا تلو الآخر — بدءًا من حزب الله في لبنان، ثم نظام بشار الأسد، وها هي حماس تسقط كآخر الأحجار، رغم استقلاليتها النسبية، لكنها كانت أداة فعّالة بيد النظام الإيراني للمزايدة السياسية وإظهار نفسه داعمًا ومموّلًا لها — نرى النظام الإيراني نفسه ما يزال يلعق جراحه بعد حرب استمرّت 12 يومًا مع إسرائيل، وبعد عسكرة الاحتجاجات الأخيرة التي كشفت حجم التغلغل الإسرائيلي، وامتداد يده داخل بعض أطراف المعارضة الإيرانية المأجورة، مثل جماعة الشاه، وبعض الأحزاب القومية الكردية الفاشية، ومجاهدي خلق.

وفضلًا عن ذلك، فإنّ الحشود العسكرية الكبيرة في البحر والبرّ حول إيران، والتحضيرات لتوجيه ضربة عسكرية — أقلّ نتائجها إسقاط النظام — تؤكّد أنّ سلطة الإسلام السياسي الشيعي تعيش مأزقًا وجوديًا حقيقيًا.

وبعيدًا عن بهلوانيات المالكي الذي صرح أنه يرفض التدخل الأمريكي السافر في شؤون العراق، في رده على أقوال ترامب في تغريدة نشرها على منصة "تروث سوشال"، إنه سمع أن العراق قد يتجه لإعادة المالكي إلى رئاسة الحكومة، مشيرا إلى أن فترة حكمه السابقة أدت، بحسب وصفه، إلى انحدار العراق نحو الفقر والفوضى الشاملة، مؤكدا أنه لا ينبغي السماح بتكرار ذلك". نقول وبعيدًا عن استعراضاته «السوبرمانية» الفارغة هو والمجموعة التي ما زالت تتمسك بهويتها المتهرئة "المقاومة والممانعة" التي تتمسك بعباءة ترشيح المالكي، التي لا ترقى أي تلك السوبرمانيات حتى إلى مستوى أفلام الكرتون الهوليوودية، فإنّ سلطة الإسلام السياسي الشيعي غير قادرة على مواجهة الولايات المتحدة الامريكية، ويمكن لها النجاح في تسويق المالكي رئيسا للوزراء بشرط واحد: الدخول في صفقة تسوية ومؤامرة على إسقاط النظام الإسلامي في إيران، كما تآمرت على إسقاط نظام صدام حسين والتسويق لغزو واحتلال العراق. وإلا فإنّها ستفقد سلطتها عبر الخنق الاقتصادي، ولا سيما في ظل قضيتين أساسيتين تعجز عن مواجهتهما: الأولى، الأزمة الاقتصادية المتفاقمة التي بدأت تحرّك احتجاجات في أوساط اجتماعية مختلفة في العراق، والثانية، النزعة القومية المعادية للنظام السياسي الحاكم في طهران وكل ما هو ايراني، وخاصة في ظل تزايد الاتهامات للاطار التنسيقي بجميع تلافيفه بعمالته المكشوفة والسافرة وخاصة بعد قمعه لانتفاضة أكتوبر بيد قائد فيلق القدس الايراني قاسم سليماني الذي اغتالته القوات الامريكية في ٢٠٢٠

وأخيرًا، فإنّ ما يواجه العراق — بغضّ النظر عن اسم رئيس الوزراء القادم، الذي سيكون مضطرًا إلى توقيع وتنفيذ الشروط الأمريكية — هو مرحلة شديدة الخطورة، بسبب السياسة الأمريكية ومشروع إسرائيل في الشرق الأوسط من جهة، وتداعياتها على الوضع الأمني والاقتصادي لجماهير العراق من جهة أخرى.

أمّا الحديث عن السيادة وعدم التدخّل في الشأن الداخلي العراقي، كما يصرّح به قادة الإطار التنسيقي، فليس سوى محض هراء، وهو أقرب إلى تقديم العزاء للنفس منه إلى كذبة تهدف إلى خداع الرأي العام وجماهير العراق.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد