الاستحقاقات والدور المستقبلي للبنان

الاستحقاقات والدور المستقبلي للبنان

24-02-2026 07:53 AM

عادة ما تفضي النكبات الكبرى إلى تغيير دراماتيكي؛ إلا في لبنان، وكأن البلد عصيٌ على التغيير. 3 نكبات ضربت لبنان خلال 5 سنوات: المَنْهَبَة المالية عام 2019، والتفجير الهيولى لمرفأ بيروت عام 2020، وحرب «إسناد» غزة. تسببت هذه الجرائم في خسائر فلكية وهجرة طالت نحو 850 ألف مواطن.

ورغم أن لبنان شهد مطلع العام الماضي قيام عهد جديد أتى بالثنائي جوزيف عون ونواف سلام إلى رئاستَيْ الجمهورية والحكومة، فإن الطاغي على المشهد: مراوحة، واستبعاد المحاسبة، وعدالة معلقة، واستقواء على الضعفاء، مع استنساخ سياسات أفضت إلى الوضع الكارثي الذي يمر به لبنان. والحصيلة تبرز في أرقام الهجرة عام 2025 التي تجاوزت 220 ألفاً، بينهم كثافة شبابية ذات كفاءة هالها استمرار الوضع المقفل وانعدام الفرص، لتُظهر النظرة المتأنية الهوّة بين الخطاب السياسي والممارسة، فترسخ تجربة الأشهر الـ13 من قيام هذه السلطة إدارة متواضعة لبلد تعصف به الأزمات والتحديات، ليبدو أنه لا قيمة كبيرة للمواقف إن لم تقترن بخططٍ تنفيذية زمنياً وعملياً. الأمر يشمل نزع السلاح اللاشرعي، والإصلاح المتعثر، واستحقاق الانتخابات العامة.

لم يعد كافياً التغني بما تحقق من نزع للسلاح اللاشرعي جنوب الليطاني؛ لأن المهلة شبه المفتوحة للمرحلة الثانية شماله مقلقة، رغم الإلحاح بتقديمها شيئاً من الأمان أو مظلة سياسية للناس المتروكة تحد من قدرة إسرائيل على تبرير إجرامها. وقد يمنح تأخيرُ نزع السلاح «الحرسَ الثوري» فرصة إعادة ترتيب أوراق وكيله «حزب الله»، وترميم شبكاته وإحياء أدواته الأمنية؛ مما يحبط دور السلطة ويحاصرها. ويتيح في المقابل لإسرائيل توسعة إجرامها، كأن تطلق تل أبيب حملة جوية مدمرة للبلد، عنوانها استهداف «الحزب»... وقد شهد البقاع عيّنة مخيفة منها ليل الجمعة الماضي، جاءت في توقيت دقيق أبرز مؤشرات مقلقة على رعونة في الإعلان أن «الحزب» لن يكون على الحياد إذا شُنّت الحرب ضد إيران، فهل يتحضر «حزب الله» لحرب «إسناد» قد تقضي هذه المرة على المتبقي من أخضر ويابس؟

توازياً؛ بات تعثر الإصلاح سمة عامة؛ مما أبقى العدالة ممنوعة، وحقوق الناس مستباحة، مع محاباة النافذين، والمحاسبة مستبعدة، و«التدقيق الجنائي» غير مرغوب استكماله... يجري كل ذلك رغم اتساع الملاحقة القضائية في أوروبا وأميركا لأركان من الكارتل المصرفي السياسي، بتهم ارتكاب جرائم مالية، بينها التزوير وتبييض الأموال. والخطير أن الطروحات التي تضمنتها مشروعات قوانين، مثل بدعة «الفجوة المالية»، وقوبلت بتحفظ شديد من «صندوق النقد»، يُخشى أن تكون منطلقاً لتكريس عفو عن الجرائم المالية، خصوصاً أن هناك جهات مؤثرة تزيِّن لبعض السلطة إمكانية استمرار الوضع الراهن دونما أي حاجة لبرنامج مع «صندوق النقد»!

الانتخابات العامة هي الملف المحوري. في الأنظمة الديمقراطية يتعذر إرجاء الانتخابات، فيما بالإمكان أن تكون مبكرة، خصوصاً مع حدوث أزمات تحتم الذهاب إلى صندوق الاقتراع لاختيار البرنامج البديل للفريق السياسي القادر على الإنقاذ. ويكون الثابت هو القانون الذي على أساسه ستُجرى الانتخابات بحيث يعرف مسبقاً كل مرشح كيف يدير معركته. لكن في لبنان وضع مغاير؛ فالبلد يعيش ديمقراطية منقوصة في نظام خلطة طائفية شمولية مع واجهة ديمقراطية، فيتبدل القانون ارتباطاً بتوافقات قوى النظام الطائفية المؤثرة. وهذا مما دفع برئيس الحكومة إلى وصف قوانين الانتخاب ما بعد «الطائف» بأنها متصادمة مع الدستور، والأسوأ فيها القانون الحالي.

بمقالة سابقة في «الشرق الأوسط» بتاريخ 4 يناير (كانون الثاني) الماضي، بعنوان «الأولوية لنزع السلاح والإصلاح على الانتخابات»، كان هناك تركيز على أن الممر لاستعادة الدولة المرتجاة يفترض حماية المقترعين من ترهيب السلاح، وبدء زمن المحاسبة، ومشاركة المغتربين أسوة بما حدث في دورتَيْ 2018 و2022، وأنه من دون ذلك، فستفضي الانتخابات إلى استنساخ برلمان ذي شرعية كاذبة، يجدد لمنتجات مرحلة احتلال البلد والهيمنة عليه، فيتجدد الارتهان لقوى الفساد والتبعية، ويكرس لبنان بلداً طارداً للفئات الشابة ذات الكفاءة.

مع برلمان مستنكف عن واجبه، حسمت «هيئة التشريع والاستشارات» في وزارة العدل حتمية اقتراع المغتربين لـ«النواب الـ128»؛ مما حدا برئيس المجلس، نبيه بري، أن يقول إنها «المرة الأولى التي نسمع فيها أن القاضي يوقف تنفيذ القانون بدل السهر على تنفيذه». ووصف ذلك بأنه «ينم عن وجود خطة تمنع إجراء الانتخابات، وصدوره جاء بإيعاز من جهة ما (...)»، في حين أن ما توصلت إليه هذه الهيئة القضائية يضمن المساواة في الحقوق بين المقيمين والمغتربين، ويكرس الرضوخ للدستور، ويحذر ضمناً من أخطار عجز السلطة عن واجباتها في منع مصادرة حق المغتربين في الاقتراع الحر.

على الدوام كانت قوانين الانتخاب حصيلة تسويات تضمن مصالح القوى الطائفية النافذة، فأتت البرلمانات متشابهةً؛ نتيجة الترهيب والرشوة كما التهديد بالسلاح، مهمشة الدور ومنعدمة الشرعية الشعبية؛ وأين؟ في ظل نظام سياسي برلماني يعود إليه رسم وصياغة السياسات العامة للبلد. وما يجري اليوم من خلاف بشأن أولوية نزع السلاح والإصلاح قبل الانتخابات، والتعسف في الموقف من اقتراع المغتربين، وتجاهل وطأة السلاح والكَنْتَنَة ومصادرة الحقوق والعدالة، هو خلاف سياسي على هوية البرلمان المقبل، ودوره المرتجَى في صياغة المكانة اللاحقة للبنان.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

30 وجبة إفطار مختلفة لمائدة إفطار رمضان

الاستهلاكية العسكرية تعلن توفر زيت الزيتون التونسي في اسواقها

مهم للباحثين عن عمل .. مدعوون للامتحان التنافسي والمقابلات الشخصية

تفاصيل تحبس الأنفاس لإنقاذ الطفل عبد الرزاق من بئر بعمق 30 مترًا .. فيديو

يحق لهذا الموظف التقاعد متى شاء .. توضيح حكومي

ضمام خريسات مديرا عاماً لصندوق توفير البريد

إطلاق موقع إلكتروني لمراكز الخدمات الحكومية

هيئة إدارية جديدة لأصحاب معاصر الزيتون

إعلان نتائج القبول الموحد لمرحلة الدبلوم المتوسط في الكليات اليوم

وظائف شاغرة ومدعوون للاختبار التنافسي في الحكومة

حزب الإصلاح: الهوية الجديدة للحزب الوطني الإسلامي في الأردن

مجلس أمناء البلقاء التطبيقية يقر الخطة الاستراتيجية للأعوام 2026-2030

الأسرة النيابية تطلع على دور نقابة العاملين في قطاع المياه والزراعة

بدء تقديم طلبات إساءة الاختيار والانتقال بين التخصصات والجامعات

منخفض جوي بارد يؤثر على المملكة مطلع الأسبوع المقبل