رئيس دوت كوم

رئيس دوت كوم

15-04-2026 12:35 AM

لم يعد خافياً على أحد مسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لأن يسجل حضوره في ذاكرة كل إنسان على هذه الأرض أينما كان ولو لمرة واحدة على الأقل يومياً وذلك عبر ظهوره على أي وسيلة إعلام متاحة. إذ لا تمر حزمة أخبار، ولا مجموعة بيانات صحافية، ولا حتى حفنة من المنشورات إلا وكان ترامب حاضرا في واحدة منها على أقل تقدير.
بوسيلة كهذه يصبح الحضور الإعلامي أكبر من الحضور السياسي ضمن خطة ممنهجة لترويج الذات، وتأليه النفس، وتعظيم الأنا، وترسيخ جنون العظمة. فحضور الرئيس الأمريكي الدائم ليكون «حديث الساعة»، لم يعد مجرد أسلوب للتواصل، بل تحوّل إلى نمط إدارة قائم على ترويج الذات سياسيا، وربما استثمارها دعائيا وتجارياً في المستقبل.
المفارقة في الأمر هي قدرة ترامب على تسجيل كل هذا الحضور في خضم مسؤوليته عن دولة عظمى متخمة بمشاكل الصحة والهجرة والتشرد والجريمة والتفرقة العنصرية، وهو ما يحتاج في الواقع إلى رئيس واحد لكل ملف، لا لرئيس يقضي نصف نهاره على الإعلام. هكذا حال إنما يطرح سؤالاً هو الأكثر أهمية: كيف يدير ترامب أمريكا وهو مهووس بوسائط الإعلام على تعددها؟
رئيس يملأ كل هذا الحيز الإعلامي، وعلى امتداد الكرة الأرضية، باختلاف توقيتاتها، من دون أن يدفع ثمناً واضحاً في مهامه الأساسية هو أمر غاية في الغرابة؟ الدولة ليست الرئيس، وإدارة مفاصلها ليست مسؤولية شخص بعينه… نعم، لكن هذا لا يلغي الحاجة لرئيس متفرغ يعطي الأمور حقها، والدولة حاجاتها وفق برنامجه الرئاسي ومتطلبات منصبه. اقترب قليلاً من المشهد وستجد: منشورات متتابعة على مدار اليوم، وتصريحات لا تتوقف، ومؤتمرات صحافية لا تنقطع، وتعليقات وردود فورية على كل حدث. هذا ليس نشاطاً عابراً، بل هو حضور يسابق صاحبه الزمن ليبقى رجل الواجهات والشاشات، والمنصات، والنقاشات وحتى مربعات الجدل على خلافها. يذكرني هذا المشهد بأحد الساسة الذين التقيتهم ذات يوم في أحد الاجتماعات فسألته آنذاك عن سبب عدم رده على حملة التشويه التي كانت تطاله، فرد ببساطة: أن تكون جدلياً وحاضراً في الإعلام سلباً كان أم إيجاباً، فإن ذلك سيجعلك مشهوراً لا محالة.
في متابعتها لأداء ترامب رصدت إحدى المحطات الأمريكية مؤخراً منشورات ترامب على مدار اليوم، فسجل نهاره تسعة منشورات خلال 24 ساعة، بينما أطلق ثلاثة تصريحات، وشارك في فعاليتين أدلى خلالهما بموقفين ناريين، وتابع ردود الأفعال لاحقاً، وهو ما جعله وحسب التقرير يستهلك 7 ساعات في صناعة المشهد الإعلامي لذلك النهار، مضافاً إليه الوقت الذهني المستنزف في متابعة الردود والتخطيط للرد وصد الهجوم على ما نشر، أي أنه استهلك نصف يوم العمل في صناعة الأخبار وإدارتها. ماذا عن بقية المهام الرئاسية إذن؟ أين تذهب إدارة الملفات على تعددها؟ فالدولة لا تُدار بالتغريدات والمنشورات، ولا بالصور الإيحائية، التي تعبر عن جنون العظمة، فتجعل من ترامب إلهاً أو ملاكاُ أو مرشداً روحانياً أو حتى جنرالاً صاخباً.
البقاء في صدارة المشهد هو حتماً ما يشغل ترامب، ليحول الرسالة من مضمونٍ إلى إيقاع تراشقي وصخب تتراجع معه جودة الخطاب، ويعلو منسوب الضجيج والصخب على حساب الهدف والمعنى. لقد أنهك ترامب العالم إعلامياً وأدخله في مرحلة من تراقص الأسهم والبورصات، بصورة حفّزت خصومه للقول إنه يصيغ أسعار الأسهم في تلك البورصات ويقيّفها على مزاج ابنائه وأنسبائه لجني أرباحٍ مادية لا حصر لها، وهو ما يريده البعض الباحث عن مراكمة الأدلة لعزل ترامب من موقعه حال سنحت الفرصة. أمر يخشاه ترامب أكثر فأكثر مع قرب الانتخابات النصفية. أياً كانت الدوافع والمشاهد المرتبطة بأداء ترامب، فإن المتابع سيشهد حتماً المزيد من هذا الأداء الذي لا تنتهي معه الإثارة والجدل، ما يُضعف قدرة الناس على التمييز بين ما هو هش وما هو رصين. ما من شك بأن القيادة تعني ترتيب الأولويات، لا مطاردة الأضواء. فاختلال التوازن، يفرغ المشهد من المصداقية المطلوبة بصورة يصبح معها الحضور الإعلامي مطمحاً ذاتياً، لا وسيلة لخدمة المجتمع أو وضعه في صورة ما يعنيه ويلامس تفاصيل حياته.
يبقى السؤال الأهم: هل يمكن لمن يقضي هذا القدر من يومه في مسعاه لتلميع الذات أن يجد الوقت الكافي لصناعة جملة مفيدة؟ أم أن البشرية أمام مدرسة جديدة في الإدارة والقيادة والرئاسة؟ هل يستمر ترامب في النهج ذاته، أم تجبره الأحداث على أن يغيّر مساره قبل أن تطيح به الأيام؟ ننتظر ونرى .

كاتب فلسطيني



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد