تلمسان… فانوس التاريخ ولهجة تلاشت قافها
15-04-2026 12:38 AM
في صبيحة باكرة حللت في مدينة تلمسان لدواع علاجية، كان الجو ماطرا لا يُسمع خلاله سوى الهسيس الممزوج بعتمة الفجر الأولى، لم تفتر السّماء بعد عن ثغرها المبتسم، الغيوم ابتلعت زرقةً كانت ستضفي على اليوم التلمساني حنين ابن خميس (ق 14 م) لمدينته من منفاه الأندلسي، لكن سرعان ما تذكرتُ قصيدته «الديار التلمسانية» التي جاء فيها: «سقى الله أرضا بتلمسان كلما… ترنّم شاد أو بكت سحب سَجَّامِ
المدينة صوت وذاكرة
حين نهمل تاريخ المدن وأحداث حيواتها، نغتال حركتها في الواقع وحركتها في التّاريخ، وعلاقة النّاس بها، وتلك مزية الشعر، حين يسجّل ذلك الرابط من الوعي الذاتي والوجداني بالمكان، إذ كلّما حللنا بحيّز إلاّ ويقفز التّاريخ كفانوس علاء الدين الأسطوري، ينير لنا عتمة برهة اكتنفها سر من أسرار عشق المدينة، ولهذا فاكتشاف العالم يبدأ من تربة أحيائنا وحاراتنا وأزقّتنا ودروبنا التي تشرّبنا نزق الجري في منعرجاتها أطفالا، ولوعة مغادرتها شبابا أو كهولا، إذ يروي نجيب محفوظ في مذكراته أنّه حتى عند انتقالهم من حي الحسين كان لا بد أن يزوره بانتظام، ولو كان في سهرة لأم كلثوم، وكان الوقت متأخّرا، لا بد من أن يمرّ على المقهى فيه ليكمل سهرته في حضن مكانه البدئي ثم يلتحق ببيته. في وعيي كمتلقٍ أربط الحسين بالمقهى وبصوت أم كلثوم، فأتمثله بين ضجيج الزبائن وموسيقى الطرب، فيغدو المكان صوتا وحركة. المكان دون علامة لا يشكّل شيئا، لكن هل تكون تلك العلامة مقصودة؟
مع تباشير الصباح الأولى والضّوء يضفي على المدينة مسحة انبثاقها من ميعة العتمة الساكنة، بدأت الحركة تدب في أوصال الشّوارع، كانت خطوتي الأولى ركوب سيارة أجرة والتوجه إلى حي الكيفان؛ سائق ناهز الستين تبدو عليه علامات الشيخوخة الممزوجة بطعم التجربة التي يجب أن تُحكى، إذ ما إن نطقت باسم مدينتي الجنوبية حتى بادرني بسؤال عن مكان إقامتي في بشار، فأخبرته في مركز المدينة، أعقب ذلك بسؤال عن الحي، فأجبته: حي السّلام، المفاجأة أنّه تلمساني سكن المدينة وفي الحي نفسه، لكن حسب قوله كان من أوائل سكان الحي الذين شيّدوا بيوتا فيه، وكان بنّاء، وفعلا كان على دراية تفصيلية بشوارع المدينة وعائلاتها القديمة والأصيلة.
تلمسان التاريخ ولهجة تلاشت قافها
حديث السائق عن بشار، هذه المدينة التي تغيّرت بفعل الزّمن والتحوّلات الاجتماعية والاقتصادية حتى أصبحت ذات وجه غير ذلك الذي ألِفَتْهُ طفولتي وشبابي، أحيا فيّ حنينا وذكريات ربّما كنت قد نسيتها؛ تلمسان القديمة في الاسم، فهي بوماريا pomaria في عهد الرومان، التي تعني البساتين، عشقتُ فيها مجمّع زاوية وجامع ومدرسة وضريح سيدي بومدين شعيب الغوث في حي العباد، أُسّس الجامع في عهد الدولة المرينية عام 1339.
لكن تلمسان هي أيضا مدينة شيخي، سيدي محمد بلقايد مؤسّس الطريقة البلقايدية ومجدّد الطريقة الهبرية (تأسّست في القرن التاسع عشر حوالي 1870، نسبة إلى شيخه سيدي محمد الهبري المتوفى عام 1899)، لذلك تسمى الطريقة الهبرية البلقايدية، ولا تزال الزاوية الأم في حي العباد. بدأت نشاطها في أربعينيات القرن الماضي قبل أن تنتقل إلى وهران في سيدي معروف.
عند خروجي من عيادة الطبيب، كانت زخّات المطر قد بدأت تنقص وأخذت الغيوم تنقشع في بطء شديد، فلاحت بين تكوّمات الغيوم الرّمادية المائلة في بعض بقعها إلى السّواد، مسحات كأنّها عبورُ يدِ رسّامٍ بريشةٍ تفرش لمسات زرقاء، فكانت مساحة السّماء ذاتها لوحة تتنافر فيها الألوان لا لتقبّح منظرها ولكن لتهبها لذّة تأسر النّاظر لطراوة تنبثق من بين نداوة المطر وطبقات الغيم، التي لفّت وجه السّماء فزاد جمالها. الطبيب التلمساني باسمِ عائلة تحمل ذاكرة الوجود العثماني في الجزائر، بن عصمان، ما جلبني إليه، ومن ثمّة فَتْح خزانة ذاكرتي على المدينة هو استعماله للغة العربية والرقة في انسياب الكلام، أي أنّه يعي أهمّية التواصل باعتباره القنطرة بين مريض يطلب الشّفاء وطبيب يستكشف أعماقا معتلّة، وإنسانيته الطّاغية التي تَشْعُر المريض بداية، أي أنّ مجال اشتغاله هو النّفس وليس الظاهر الجسدي. ركبت سيّارة أجرة أخرى لتنقلني إلى محطّة الحافلات، حيث الوجهة وهران. سائق شاب تبدو عليه حيوية وعراقة أهل تلمسان واللسان الذي ما زال يعشق في القاف تهميزها (من الهمزة)، حيث القلب هو أَلْبْ والقهوة هي أَهْوَة، ما يضفي على النطق بهجة الانجذاب إلى نغم رقيق يلمسه السّامع فيما يدعوه اللّسانيون «الوقف الحنجري» le coup de glotte، ويستعمل هذا المصطلح في علم الصوتيات phonétique للإشارة إلى انحباس الهواء عند مستوى الحنجرة ثم إطلاقه فجأة، وهو تماما ما يحدث في لهجة أهل تلمسان عند نطقهم القاف همزة.
يصف اللّسانيون أمثال فيليب مارسيه Philippe marçais الذي تعمّق في دراسة لهجات المغرب العربي، ويعتبر كتابه الهام «اللهجة العربية في تلمسان» مرجعا للباحثين في هذا التخصّص، يصف لهجة تلمسان le parler tlemcénien بأنّها «حضرية عريقة» «قبل هلالية»، أي أنّها من اللهجات التي تكلّمت بها المدن الكبرى قبل مجيء الهلاليين في القرن الحادي عشر الميلادي. كما أنّهم يصفون تلاشي القاف وتحوّلها إلى همزة بأنّه مما يميّز المدن ذات الإرث الأندلسي، ويعبّر ذلك عن الرقة الارستقراطية في الحديث. كما أنّهم يصفونها بالموسيقية musicalité، والنّاعمة douce والمغنّاة chantante وذلك لغلبة التّاء المرقّقة وغياب الأحرف المفخّمة في هذه اللهجة مقارنة بلهجات الأرياف.
تلمسان ابن خميس وشلال الذكريات
ركبت سيارة أجرة ذلك الشاب، وحتى لا يقتل الصمت ما تبقى من بهجة الذاكرة، استللت منه طرف خيطٍ من تاريخ المدينة، فقلت: تلمسان جميلة وخصوصا وهي تغتسل بماء المطر، أراها ترقص كما حورية على رمل شاطئ يستمع إلى وشوشة أمواجه الهادئة، أدركت في لحظةٍ انشداده إلى ما أقول، فأردفت، هل تعرف ابن خميس التلمساني؟ أجاب بالنفي، فقلت هو من أدباء ومفكري تلمسان في القرن الرابع عشر الميلادي، نُفي إلى الأندلس عاشقا لتلمسان، ولشدّة شوقه إليها كان يتّجه إلى المرفأ وينتظر مجيء السفن المقبلة من تلمسان لعله يجد ريحها فيها، وفي هذه المغبّة من الشّوق قال قصيدته «سَلِ الرّيح» والتي مطلعها:
سل الرّيح إن لم تُسعِدِ السفنُ أنواءُ… فعند صباها من تلمسان أنباء
بدت على وجه السائق علامات الاعتزاز بالمدينة، وراح يحدّثني عن أسرار عناوين أخرى لهوية المدينة، فقال: هل تعرف لماذا سُمّيت تلمسان بهذا الاسم؟ قلت: لقد أفدتك بمعلومة فبادلني الإفادة، فقال: لأنّها تلمّ الإنسان. هناك رواية أخرى ترى، أنّ تداول الاسم بدأ مع وصول قبائل زناتة وتأسيس الدولة الزيانية، والاسم مشتق من الكلمة الأمازيغية «تالا إمسان» التي تعني النّبع الجاف، أو منبع المياه، صمتَ قليلا، ويبدو أنّ حديث المدينة قد حرّك فيه إحساسا عارفا بأهمية تلمسان السياحية، وأخبرني عن منطقة «لوريط» التي تقع شرق وسط مدينة تلمسان على بعد 7 كلم، والقصّة التي تُحكى بمناسبة التّسمية، هو اتفاق صديقين على موعد وتأخّر أحدهما في «لوريط»، وهي منطقة خلاّبة يتدفّق من جبالها شلال وتحيطها أشجار صنوبر كثيفة، كما الأيك في شعر عنترة والتي ضمّن منها ابن خميس بعض المعاني في قصيدته «سل الرّيح»، ومن ذلك:
أفمن بكاء حمامة في أيكة… ذرفت دموعك أيها الشّجي النّائي
زرت «لوريط» في بداية الثمانينيات 1982، ووقفت على جمالها، وصلت قلب المكان بسيارة عبر طريق ملتوية تظلّلها أشجار الصنوبر، فجأة وجدتني أمام لوحة طبيعية خضراء معلّقة بين سماء تدّعي الوصل بها وأرض تنتظر هبوطها. كان الشلال يتدفّق من الأعالي، وجزء منه يصب في حوض ملأه صاحب مقهى بزجاجات الليمونادة ليبرّدها. أكمل السائق حكايته: لما التقيا، عاتب الصّديق صديقه لتأخّره عن الموعد، فقال له مندهشا: لو ريت (لو رأيت)!
كاتب جزائري
الهند تودع آشا بوسلي ملكة الغناء الهندي
بينار دينيز تكشف صدمة مشاعرها بعد ولادة طفلها الأول
تذكرة بمليون جنيه .. حفل عمرو دياب بالقاهرة يثير ضجة واسعة
الصواعق لا ترحم حتى بعد الموت .. قصص مذهلة
قصة ملك البوب تعود إلى الشاشة .. مايكل يصل دور السينما الروسية
فرنسا تدرس حظر حفل كاني ويست في مرسيليا
النقد الدولي: التعافي السريع لا يزال ممكنا إذا انتهت الحرب قريبا
البابا يشعل مواقع التواصل في الجزائر
تلمسان… فانوس التاريخ ولهجة تلاشت قافها
هل ماتت رسائل كوليت خوري ونزار قباني أيضاً
ثنائية مبكرة لا تكفي .. برشلونة يودّع وأتلتيكو مدريد يتأهل
باريس سان جيرمان يؤكد تفوقه على ليفربول ويتأهل بثنائية قاتلة
إربد: جناة يطعنون سائقاً ويضعونه في صندوق مركبته قبل أن يفروا
وزير الدفاع الباكستاني ينفجر غضباً .. وإسرائيليون يدعون إلى اغتياله
مقتل وزير الخارجية الايراني الأسبق كمال خرازي
الضمان الاجتماعي: تعديلات القانون رغم شدتها هي الحل
تطورات بقضية استشهاد 3 من مرتبات إدارة مكافحة المخدرات
الصفدي: المفاوضات يجب أن تنتج تهدئة دائمة تعالج أسباب التوتر وتعزز الاستقرار
بحث تعزيز التعاون العسكري بين الأردن وليبيا
غموض يلف الحالة الصحية للفنانة حياة الفهد
واشنطن توافق على شرط إيراني مهم لأجل السلام
تنقلات وانتدابات واسعة في الجهاز القضائي .. أسماء
حرارة صيفية مبكرة تضرب عمان والأغوار والعقبة
فتح باب استرداد قيمة تذاكر حفل شاكيرا الملغى بالأردن
وزارة الزراعة تقرر استئناف تصدير البندورة