هل يعيد الجنوب العالمي رسم خريطة الصراع الدولي؟

هل يعيد الجنوب العالمي رسم خريطة الصراع الدولي؟

24-02-2026 10:06 PM

بعد أكثر من أربع سنوات على حرب روسيا وأوكرانيا، لم تعد هذه المواجهة صراعًا إقليميًا منفصلًا، بل أصبحت جزءًا من لوحة عالمية تتصاعد فيها النزاعات الكبرى في أكثر من نقطة ساخنة، فبالتوازي مع استمرار الحرب في أوروبا الشرقية، شهد العالم العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وتصاعد التوتر إلى مواجهات مباشرة أو غير مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، هذا التزامن لا يبدو مجرد مصادفة تاريخية، بل مؤشرًا على تحوّل عميق في بنية النظام الدولي نحو مرحلة اضطراب متعدد البؤر.

الحرب في أوكرانيا أعادت إحياء منطق الحرب الباردة، لكنها تجاوزته إلى نموذج “المواجهة الشبكية” بين القوى الكبرى، حيث تتقاطع الجبهات دون أن تتطابق، فالدعم الغربي لكييف لم يكن فقط دفاعًا عن سيادة دولة، بل جزءًا من استراتيجية احتواء موسكو ومنع إعادة تشكّل قوة أوراسية منافسة، وفي المقابل، ردّت روسيا بتعزيز شراكاتها مع قوى آسيوية وإقليمية، ما سرّع انتقال العالم نحو تعددية قطبية ناشئة بدل الهيمنة الأحادية.

في الشرق الأوسط، مثّل الهجوم الإسرائيلي الواسع على غزة نقطة انعطاف خطيرة، لأنه فتح احتمالات توسع الصراع إقليميًا عبر شبكة تحالفات ومحاور متشابكة، فالحرب هناك ليست مواجهة محلية فحسب، بل ساحة تتقاطع فيها حسابات الردع بين إسرائيل وإيران، وحسابات النفوذ بين واشنطن ومحور المقاومة، إضافة إلى مخاوف دول المنطقة من الانزلاق إلى حرب مفتوحة لا يمكن احتواؤها بسهولة.

أما التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، سواء عبر ضربات مباشرة أو عبر ساحات وسيطة، فيعكس انتقال التوتر من مستوى الردع النظري إلى الاحتكاك العملي، فإيران ترى في الضغوط العسكرية محاولة لتقليص نفوذها الإقليمي وكبح برنامجها النووي، بينما تعتبر واشنطن أن تحركات طهران تهدد استقرار المنطقة وممرات الطاقة العالمية، هذه المعادلة تولّد ما يمكن تسميته “التصعيد المحسوب عالي المخاطر”، حيث يسعى كل طرف لفرض قواعد اشتباك دون الانزلاق إلى حرب شاملة.

اللافت أن هذه الحروب، رغم تباعدها جغرافيًا، مترابطة اقتصاديًا واستراتيجيًا. فأسعار الطاقة، وسلاسل الإمداد، وسباق التسلح، وتحوّل طرق التجارة، كلها عناصر تتأثر بتطورات كل جبهة وتؤثر في الأخرى، وهنا يظهر دور الفاعلين الكبار خارج مسار القتال المباشر، وفي مقدمتهم الصين، التي تراقب المشهد بوصفه فرصة وتحديًا في آن واحد.

تسعى الصين إلى تقديم نفسها كقوة استقرار لا كطرف صراع، مستفيدة من علاقاتها الاقتصادية مع معظم الأطراف المتنازعة، فهي شريك تجاري رئيسي لروسيا، وأكبر مستورد للنفط من الشرق الأوسط، وفي الوقت نفسه تحافظ على علاقات اقتصادية عميقة مع أوروبا والولايات المتحدة، هذا الموقع يمنحها قدرة فريدة على لعب دور “حلقة الوصل” بين الصراعات، سواء عبر الوساطة السياسية أو عبر إعادة تشكيل شبكات التجارة والطاقة بما يخدم رؤيتها لنظام دولي أقل خضوعًا للغرب.

ولا تقتصر هذه الديناميكية على الصين وحدها، بل تشمل ما يُعرف بـ“الجنوب العالمي”، الذي يضم دولًا في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية تسعى إلى تجنب الاصطفاف الحاد بين المعسكرات، هذه الدول باتت تميل إلى سياسة التوازن المرن: شراء الطاقة من روسيا، والتجارة مع الصين، والتعاون الأمني مع الغرب، دون الانخراط الكامل في أي محور. وبذلك تحولت من هامش النظام الدولي إلى عنصر ترجيح قد يحدد اتجاهاته المستقبلية.

إذا استمرت هذه الاتجاهات، فإن العالم قد يتجه إلى نموذج جديد من الصراعات المترابطة، حيث لا توجد حرب عالمية واحدة، بل عدة حروب إقليمية متزامنة تتداخل اقتصاديًا واستراتيجيًا، بينما تعمل قوى مثل الصين ودول الجنوب العالمي على إدارة التوازن بينها بدل حسمها، إنه عالم “السيولة الجيوسياسية”، حيث لا استقرار دائم ولا انهيار شامل، بل حالة توتر مزمن منخفض الشدة وعالي التأثير.

وفي المحصلة، يبدو أن المآل الأقرب ليس انفجارًا كونيًا شاملًا، ولا عودة إلى نظام دولي مستقر، بل مرحلة انتقالية طويلة يُعاد فيها توزيع القوة عالميًا، وقد يكون السؤال الحقيقي ليس من سينتصر في كل حرب على حدة، بل من سينجح في صياغة قواعد النظام الدولي الجديد. وفي هذا السياق، قد لا تكون الجيوش وحدها هي الحاسمة، بل قدرة الدول — وخاصة الصين والجنوب العالمي — على بناء شبكات نفوذ اقتصادية وسياسية تجعلها مركز التوازن بين عواصف القرن الحادي والعشرين.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

30 وجبة إفطار مختلفة لمائدة إفطار رمضان

الاستهلاكية العسكرية تعلن توفر زيت الزيتون التونسي في اسواقها

مهم للباحثين عن عمل .. مدعوون للامتحان التنافسي والمقابلات الشخصية

تفاصيل تحبس الأنفاس لإنقاذ الطفل عبد الرزاق من بئر بعمق 30 مترًا .. فيديو

إطلاق موقع إلكتروني لمراكز الخدمات الحكومية

وظائف شاغرة ومدعوون للاختبار التنافسي في الحكومة

إعلان نتائج القبول الموحد لمرحلة الدبلوم المتوسط في الكليات اليوم

حزب الإصلاح: الهوية الجديدة للحزب الوطني الإسلامي في الأردن

نتائج فرز طلبات الإعلان المفتوح لوظائف بالصحة .. رابط

مجلس أمناء البلقاء التطبيقية يقر الخطة الاستراتيجية للأعوام 2026-2030

الأسرة النيابية تطلع على دور نقابة العاملين في قطاع المياه والزراعة

بدء تقديم طلبات إساءة الاختيار والانتقال بين التخصصات والجامعات

منخفض جوي بارد يؤثر على المملكة مطلع الأسبوع المقبل

سلامة الغذاء… مسؤولية دولة ووعي مواطن

نهاية ماسنجر .. ميتا تعلن إيقاف الموقع ودمجه مع فيسبوك