بين ضمير الغريب واغتراب القريب: قراءة في مفارقة “أبو عرب” المعاصر
25-05-2026 05:43 PM
في أدبيات النقد السياسي والاجتماعي، تُعرَّف المفارقة بوصفها الفجوة الحادة بين ما ينبغي أن يكون وما هو كائن فعلاً. غير أن المفارقة، في الجغرافيا العربية المعاصرة، لم تعد مجرد أداة بلاغية أو توصيف فكري، بل تحولت إلى حالة وجودية كاملة يعيشها “أبو عرب” المعاصر؛ إذ بات يرى عواصم غربية وشرقية تنتفض غضبًا لأجل أشلاء غزة، بينما يخيم على فضائه القريب صمت مريب، أو لامبالاة تتلفع برداء العجز والانكسار.
هذا المشهد المقلوب، حيث يقطع “الغريب” مسافات من الوعي الأخلاقي والإنساني دفاعًا عن المظلوم، في الوقت الذي ينكفئ فيه “القريب” على ذاته معلنًا أن الأمر لم يعد يعنيه، لا يمكن اختزاله بوصفه خيانة أخلاقية مجردة أو موتًا مفاجئًا للضمير؛ بل هو عرض لمرض بنيوي عميق، وهندسة طويلة الأمد استهدفت الإنسان العربي في وعيه الجمعي، وفي إدراكه لذاته ولدوره التاريخي.
لقد دخل “أبو عرب” في طور جديد من الاغتراب؛ اغتراب لا يقتصر على السياسة وحدها، بل يمتد إلى البنية النفسية والوجودية ذاتها. فتحول الإنسان، عبر عقود من الإخفاقات والهزائم والتشظي، من فاعل تاريخي يحمل همّ الجماعة وقضاياها الكبرى، إلى فرد محاصر داخل قلقه الشخصي، تستهلكه الأزمات الاقتصادية، وتنهكه الهشاشة الاجتماعية، حتى غدت المأساة الكبرى تبدو له حدثًا يفوق طاقته النفسية على الاحتمال أو التفاعل.
أولاً: من الهمّ الجمعي إلى هندسة الانكفاء
على مدى عقود، تعرضت الكتلة الحرجة في العالم العربي إلى عملية تجريف ممنهجة لفكرة “المشترك”. فقد جرى تفكيك الوعي الجمعي تدريجيًا؛ من فضاء كان مشغولًا بالقضايا المصيرية والتحررية والقومية، إلى فضاء محكوم بالهمّ القطري الضيق، ثم إلى ما هو أكثر تفتيتًا: الهمّ الفردي المعيشي.
تحت وطأة الأزمات الاقتصادية الخانقة، والبطالة، وتضخم الديون، وتآكل الطبقات الوسطى، أُعيد تشكيل الإنسان العربي داخل دائرة البقاء الفردي. وأصبح الفرد مدفوعًا بغريزة النجاة الشخصية أكثر من أي تصور جمعي أو أخلاقي أوسع. وهكذا، بات التضامن مع القضايا الكبرى يُنظر إليه—في وعي مأزوم ومُنهك—بوصفه رفاهية لا يملك كلفتها، أو عبئًا إضافيًا قد يهدد استقراره الهش أصلًا.
إن أخطر ما في هذه العملية أنها لم تنتج إنسانًا أنانيًا بالمعنى البسيط، بل إنسانًا منزوع القدرة على تخيل الفعل الجماعي نفسه؛ أي إنسانًا يشعر بأن خلاصه الفردي هو الأفق الوحيد الممكن داخل عالم فقد ثقته بأي مشروع عام أو مصير مشترك.
ثانيًا: البلادة الحسية المكتسبة وكلفة الموقف
تكمن المفارقة الأكثر قسوة في المقارنة بين متظاهر في لندن أو نيويورك، ومواطن يعيش في عاصمة عربية. فالمتظاهر الغربي، رغم التشويه الإعلامي والانحيازات السياسية، ما يزال يرى المأساة بوصفها “صدمة أخلاقية” تستفز إنسانيته وتحرك ضميره؛ كما أنه يمتلك هامشًا من الحرية يسمح له بالصراخ والاحتجاج دون أن يتحول ذلك—في أغلب الأحيان—إلى تهديد مباشر لوجوده الشخصي.
أما “أبو عرب”، فقد تحول مشهد الدم والدمار بالنسبة إليه إلى تفصيل يومي مزمن؛ فمن فلسطين إلى العراق، ومن سوريا إلى اليمن، عاش الإنسان العربي عقودًا طويلة داخل دورة مستمرة من الخراب والانكسار. وهذا التكرار المستدام للمأساة أنتج ما يسميه علم النفس السياسي بـ”البلادة الحسية المكتسبة” (Psychic Numbing).
هو ليس فاقدًا للضمير، بل إن ضميره استُنزف حتى التخدّر؛ فالإنسان الذي يتعرض لصدمة مستمرة لا يبقى في حالة نزف دائم، بل يتحول—مع الزمن—إلى كائن يطبع مع الألم كي يستطيع الاستمرار في الحياة.
ثم إن كلفة الموقف والتعبير في البيئات المأزومة سياسيًا وأمنيًا باهظة للغاية؛ فالصمت هنا قد لا يكون غيابًا للموقف بقدر ما هو تجسيد للعجز والخوف وانعدام الجدوى. إن الإنسان الذي يشعر بأن أي تعبير قد يهدد أمنه الشخصي أو لقمة عيشه، يميل تدريجيًا إلى الانكفاء الداخلي، حتى وإن ظل يحتفظ في أعماقه بغضب مكتوم أو حسرة صامتة.
ثالثًا: سيكولوجية العاجز وصناعة اللامبالاة
حين يشعر الإنسان بأنه لا يملك أي أداة حقيقية للتغيير، وأن مصيره ذاته مرتهن لقوى تتجاوز قدرته، فإنه يلجأ—على نحو لا شعوري—إلى آليات دفاع نفسي، أبرزها الإنكار أو الادعاء بأن الأمر لا يعنيه. إنها محاولة لحماية الذات من الانهيار النفسي؛ إذ كيف يمكن لإنسان أن يواصل حياته اليومية بصورة طبيعية، وهو يدرك في الوقت نفسه أنه عاجز تمامًا عن إنقاذ شقيقه الذي يُباد على مرأى منه؟
إن اللامبالاة الظاهرة ليست دائمًا تعبيرًا عن قسوة أخلاقية، بل قد تكون الشكل الأخير من أشكال اليأس المزمن. لقد نجحت منظومات سياسية وإعلامية واقتصادية عديدة في ترسيخ قناعة عميقة لدى الإنسان العربي بأن صوته لن يغير شيئًا، وأن احتجاجه أو غضبه أو تضامنه لن يؤثر في موازين القوى الدولية، ولا في مسارات الخراب المتواصلة.
وهنا تكمن خطورة المرحلة؛ إذ لا يقتصر أثر القمع الطويل على تعطيل الإرادة السياسية، بل يمتد إلى إعادة تشكيل الوعي ذاته، بحيث يصبح العجز حالة ذهنية مستقرة، ويغدو الانكفاء النفسي نمطًا طبيعيًا للحياة.
خاتمة: زمن مقلوب ووعي مأزوم
إن مفارقة أن يتحول أحرار العالم إلى عمق أخلاقي وإنساني لقضايا الأمة، بينما يغيب أهل الدار أو ينكفئون إلى صمتهم، ليست مجرد مفارقة عابرة، بل إدانة تاريخية كاملة للمرحلة التي يعيشها العالم العربي اليوم.
لقد اتسعت “العالمية الإنسانية” لتحتضن المظلوم أينما كان، في حين ضاقت “الخصوصية العربية” بأهلها حتى باتت عاجزة عن حمل أوجاعهم أو تحويلها إلى فعل تاريخي مؤثر.
ولعل أخطر ما أصاب الإنسان العربي ليس فقط عجزه عن تغيير الواقع، بل اعتياده عليه؛ فالاستبداد الطويل لا يكتفي بقمع الإرادة، بل يعيد تشكيل الوعي نفسه حتى يصبح العجز جزءًا من البنية النفسية للإنسان. وحين يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، فإنه لا يفقد قدرته على الفعل فحسب، بل يفقد تدريجيًا إيمانه بأن الفعل ممكن أصلًا.
تبقى هذه المفارقة جرحًا مفتوحًا، يذكرنا بأن تحرير الأرض لا يبدأ من الجغرافيا وحدها، بل من تحرير الوعي أولًا؛ من كسر حالة العجز المكرّس، واستعادة الإنسان العربي ثقته بذاته، وبقدرته على أن يكون فاعلًا في التاريخ لا مجرد شاهد على مآسيه.
اعفاء المواطنين من رسوم ذبح الأضاحي بهذه البلدية
العيسوي يستقبل الطفل كرم الكفريني .. فيديو
الحكواتي فايل بن سريد وترسيخ الهوية في سلطنة السلام والعطاء
الجانب الثالث وعزف أمريكي بارد على أعصاب العالم الملتهب
بين ضمير الغريب واغتراب القريب: قراءة في مفارقة “أبو عرب” المعاصر
فتنة البربر الأندلسية: أسبابها ودوافعها
طواقم الميداني الأردني نابلس/10 تحتفل بعيد الاستقلال
طهران تُسقط طائرة مسيّرة في الخليج .. ما مصدرها
مسيرات من لبنان تصيب مستوطنتين وقاعدة إسرائيلية
يوم الاستقلال… وتهنئة الأب لأبنائه
بدء بيع أسطوانات الغاز البلاستيكية في عمّان وهذا سعرها
تصريح الأميرة رحمة عن “أني أولادي من إربد” يشعل التفاعل ويحقق انتشاراً واسعاً .. شاهد الفيديو
الأردنيون العائدون من الكونغو وأوغندا يخضعون لحجر 21 يوما
أسعار الأضاحي ترتفع والروماني يتجاوز البلدي لأول مرة
تحذير للأردنيين من صور وفيديوهات تهدف إلى ابتزازهم
توقعات بتحسن حركة الشراء .. أسعار الذهب محلياً اليوم
بيان من هيئة النزاهة حول تصريحات النائب العماوي
القبض على 3 متورطين بالاعتداء على أب وأبنائه في إربد والأمن يلاحق آخرين
عرض مسرحي تربوي في ماركا يدعم التعليم الدامج وتمكين الطلبة
ما حقيقة طلاق أصالة من فائق حسن
الأردن يتجاوز 12 مليون نسمة: نصفهم دون العشرين
أميركا : استنفار أمني عقب مجزرة بمركز إسلامي .. تفاصيل
إعلان نتائج انتخابات اتحاد طلبة جامعة العلوم والتكنولوجيا .. أسماء


