فشل المنهج قبل فشل النهج: عندما تصبح إدارة الأزمة بديلاً عن صناعة المستقبل

فشل المنهج قبل فشل النهج: عندما تصبح إدارة الأزمة بديلاً عن صناعة المستقبل

30-07-2026 06:04 PM

لا تفشل المؤسسات التعليمية، كما لا تفشل الدول، بسبب نقص الموارد، بل بسبب الخلل في المنهج الذي تُدار به القرارات، فالتقدم لا يأتي بكثرة الخطط أو تسويق الانجازات الورقية، وإنما بقدرة المؤسسات الأكاديمية على ربط القرار بالمصلحة الوطنية، وتحويل المعرفة إلى إنتاج، والإدارة إلى نتائج قابلة للقياس، وعندما تصبح القرارات أسيرة الحلول قصيرة الأجل والمصالح الآنية، تتحول المشكلة من نقص الإمكانات إلى عيب في نموذج التفكير نفسه الذي يحكم قطاع التعليم العالي.

ومن أخطر مظاهر الفشل في الجامعات أن تتحول المناصب القيادية فيها من مسؤولية وطنية إلى مجرد محطات لتحقيق مكاسب وظيفية شخصية، فالمنصب الذي يُشغل من أجل محاولة الوصول او الانتقال إلى موقع أعلى، أوتسويق إنجاز مؤسسي ورقي شكلي، يُنتج بطبيعته قرارات شكلية سريعة، حتى لو كان ثمنها إضعاف الجامعة على المدى الطويل. فالمصلحة الخاصة، حين تصبح المحرك الأول، لا تستطيع أن تنتج مصلحة وطنية مستدامة في مجال التعليم والبحث العلمي.

ويزداد الخلل حين يصبح زيادة الايرادات وخفض النفقات لتحقيق فوائض مالية هدف بحد ذاته، فيُروّج له كإنجاز إداري، بينما يخفي تراجع في جودة الخدمات وإضعاف للروح المعنوية، فالنجاح المالي القصير الذي أساسه جيوب أهالي الطلاب، لا ينتج طلاب مبدعين ومبتكرين، والمؤسسات التي توفر المال من جيوب أعضاء هيئة التدريس تؤدي الى تآكل رأس المال البشري، ما ينعكس بشكل سلبي على الاستثمار في الإنسان والبحث والتطوير، وتراجع أداء العاملين على أرض الواقع، وبالنتيجة لا تحقق الاهداف المرجوة على المدى الطويل، بل تؤجل أزمة أكبر، والتجارب الدولية خير دليل، وهناك دول استثمرت مبكرا في برامج الدكتوراه والابتعاث، واليوم تجني ثمارها في الاستدامة المالية ومشاريع الطاقة والفضاء، بينما جامعات أخرى ألغت برامج حيوية وخاصة الدراسات العليا والبرامج الدولية تحت شعار التقشف او أنها غير مجدية ماليا، قتراجع مستوى الأبحاث فيها واضطر طلابها للسفر الى الخارج.

وتتجلى الإشكالية في التعليم العالي حين تُقاس الجودة بعدد الملفات والاعتمادات، لا بجودة المخرجات الحقيقية، فالجودة الحقيقية تظهر في جذب متزايد للطلبة الدوليين للحصول على العملة الصعبة، واستقطاب التمويل البحثي لانشاء مشاريع استراتيجية، وتطوير الدراسات العليا لإنتاج معرفة تخدم الاقتصاد والمجتمع، أما الاحتفاء بتوقيع عشرات مذكرات التفاهم، تحت أضواء التصوير والكاميرات، دون أن تتحول إلى برامج تدريبية فعلية للطلاب أو تبادل علمي حقيقي، ما هو الا تكرار للخلل نفسه، الذي يقوم على تعظيم المظهر والكم على حساب الجوهر والأثر، وتحويل الشراكات من استراتيجية تنموية إلى مجرد أرقام في التقارير.

وينتقل هذا المنطق الجاف إلى واقع المدرسين اليومي، حيث تمنع الضيافة الرمزية ذات المبالغ النقدية البسيطة في الكليات، والتي كانت تعبر عن الكرم العربي الأصيل المتمثل بفنجان القهوة، وبالمقابل مماطلة وتأجيل الدفعات المالية غير الكافية نسبيا، والتي كانت تحفز الباحث على المشاركة في المؤتمرات العلمية - شريان الإبداع - كل ذلك بحجة التقشف، وهنا لا بد ان نتذكر، بأن المشاركة في المؤتمرات ليس مجرد سفر، بل استثمار في سمعة الجامعة وشبكات المعرفة، واتساءل هنا، كيف يطلب من أستاذ أن يبدع ويبحث، في حين أنه يُحرم من لقاء نظرائه في العالم، ويُجرد من الدعم المعنوي والمادي الكافي؟ هذا ليس توفير، بل في الواقع عزله أكاديمية للباحث عن الحراك العلمي العالمي.

والأخطر حين يستحكم المسؤول، فيتحول من القيادة الإنسانية إلى التعامل بالقانون الجاف، فلا يعود الأستاذ شريك في بناء المؤسسة، بل رقم وظيفي تُطبق عليه اللوائح دون نظر إلى أثره العلمي، وهنا الدرس التاريخي الاعمق، حيث لمسنا كيف أن أنجح المؤسسات العلمية، من "بيت الحكمة" إلى جامعات النهضة الأوروبية، لم تبنى بالجمود الإداري، بل بتعميق الإنسانية واحترام العقل، فالجامعة ليست دائرة حكومية، بل مؤسسة حضارية، والأستاذ ليس موظف، بل مصدر بناء المستقبل.

ومن الخلل المؤسسي الأعمق، اختلاط الأدوار بين القيادة الاستراتيجية والإدارة التنفيذية، فالقادة الحقيقيون لا يُقاسون بتدخلهم في الجداول الدراسية وتفاصيل الأعباء اليومية، بل بقدرتهم على رسم المستقبل، من خلال جذب التمويل الخارجي، وبناء الشراكات المنتجة، ورفع التصنيف، واستقطاب الكفاءات، فالانشغال المستوى التشغيلي على حساب المستوى الاستراتيجي يعكس هرم مقلوب في الأولويات، فقد ينجح القائد في إدارة اليوم ويفشل في صناعة الغد والمستقبل.

إن الحديث عن شهادات الجودة والاعتماد الأكاديمي يمثل خطوة مهمة تستحق الإشادة، غير أن قيمتها الحقيقية لا تتجسد إلا عندما تنعكس على مؤشرات أداء ملموسة، في بيئة تعليمية أكثر جودة، ووجود أعداد مناسبة داخل القاعات الدراسية، وزيادة جذب الطلبة الدوليين، وفتح برامج دراسات عليا نوعية، وشراكات دولية فاعلة، وتمويل بحثي أكبر، وإنتاج علمي مشترك، وإجراءات مؤسسية أكثر كفاءة وسرعة، وهذه المؤشرات هي ذاتها التي تغيب حين تُستبدل بالتقارير والفوائض المالية المؤقتة.

في الختام، فإن هذه الملاحظات تنطلق من الحرص الصادق على المؤسسات الأكاديمية ومكانتها، وبالايمان المطلق بأن الجودة ليست شهادة تُعلق على الجدران، بل ثقافة تُقاس بأثرها في الطلبة، وأعضاء هيئة التدريس، والبحث العلمي، والسمعة الدولية، فالحضارات لا تتراجع عندما تقل مواردها، بل عندما تفقد قدرتها على الاستثمار في الإنسان، سواء كان طالب أو موظف أو عضو هيئة تدريس، لأنه بالنهاية، هو الذي يصنع تلك الموارد ويحوّلها إلى معرفة وقيمة ومستقبل.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

البرهان يبحث مع سكرتير إيغاد سبل تحقيق سلام مستدام في السودان

ترامب يدرس توسيع العمليات ضد إيران بحملة تستمر أسبوعين

منتدى الفكر العربي يناقش القدس بين استهداف الوجود واستدامة الشاهد الحضاري

العلوم والتكنولوجيا وبلدية إربد الكبرى تبحثان تعزيز الشراكة في مجالات التنمية

حين يصبح الاقتراض أُسلوب حياة .. تبدأ رحلة السقوط

ترمب يبدأ اللعب بالأعصاب

134 مليون دينار أرباح البوتاس العربية الموحدة في النصف الأول

الأردن يدين الهجوم على ميناء دمياط ويؤكد تضامنه مع مصر

بعد مقتل نور طعنا في عمّان .. عائلتها تصدر بيانا وتوضح الحقائق

سفير اليابان يزور المخيم الصيفي لمدرسة الأونروا

فشل المنهج قبل فشل النهج: عندما تصبح إدارة الأزمة بديلاً عن صناعة المستقبل

المجالي: إدراج محمية العقبة على قائمة اليونسكو إنجاز وطني

235 مليون دينار صافي أرباح الفوسفات خلال النصف الأول من العام 2026

إيران تعلن قصف أهداف أمريكية بقاعدة جوية في الكويت

وزير العدل: 184 مليون دينار حوالات دائرة التنفيذ خلال 3 أشهر الماضية