دولة تتأخر فيقودها الفراغ

دولة تتأخر فيقودها الفراغ

24-02-2026 11:50 PM

ما يعيشه الأردن اليوم لم يعد مجرد تراجع في الأداء أو أزمة عابرة تُحل بتعديل وزاري أو بيان حكومي جديد. نحن أمام فراغ شامل: فراغ قرار، فراغ معنى، وفراغ ثقة. دولة تأخرت عن دورها الطبيعي، فقادها الفراغ… والفراغ لا ينتج إلا التفاهة والعنف والفوضى الناعمة.

تفاهات السوشال ميديا التي تتصدر المشهد ليست انحرافًا ثقافيًا عابرًا، بل نتيجة مباشرة لغياب الدولة عن توجيه الوعي العام. حين تغيب السياسة الجادة، يعلو صوت الترند. حين تفشل المؤسسات في تقديم نموذج محترم، يتصدر المشهد من لا يملك قيمة ولا مشروع. التفاهة لا تزدهر في الدول التي تمسك بزمامها، بل في الدول التي تركت المساحة فارغة.

ومع التفاهة، يتصاعد العنف.
عنف في الشارع، في المدارس، في الجامعات، وفي الخطاب العام. هذا العنف ليس مسألة أخلاق فردية، بل حصيلة بطالة خانقة، وفقر متزايد، وشعور عام بالانسداد. مجتمع تُغلق أمام شبابه أبواب العمل والأمل، لا يمكن أن يُنتج استقرارًا… بل يُنتج غضبًا وانفجارًا مؤجلًا.

البطالة في الأردن لم تعد رقمًا اقتصاديًا، بل سياسة فاشلة مستمرة منذ عشرين عامًا. عشرات الخطط الوطنية، مئات الورش والمؤتمرات، والنتيجة واحدة: سوق عمل مشوه، فرص محدودة، وعدالة غائبة. شهادات بلا قيمة اقتصادية حقيقية، ووظائف تُخلق في التقارير لا في الواقع، وشباب يُطلب منهم الصبر بينما الوقت يسرق أعمارهم. الفقر يتمدد، والطبقة الوسطى تتآكل، والدولة تتعامل مع المشهد وكأنه خارج سيطرتها.

وفي قلب هذا المشهد، تقف قضية الضمان الاجتماعي كأوضح مثال على اختلال الإدارة العامة. مؤسسة تُمسك بأموال الناس وأعمارهم، تُدار بقرارات مصيرية تمس مستقبل مئات الآلاف، ثم تُسوَّق هذه القرارات باعتبارها “إصلاحات” دون محاسبة من أقرّها، ودون مراجعة جدية لنتائجها. التقاعد المبكر، وتغيّر قواعد الاشتراك، وتبدّل السياسات بين فترة وأخرى، كلها اتُخذت ثم تُركت آثارها على الناس، بينما غاب السؤال الجوهري: من أخطأ؟ ومن يتحمل كلفة الخطأ؟

الضمان الاجتماعي لم يعد ملفًا تقنيًا، بل اختبارًا لأخلاقيات الإدارة العامة. حين يُدار هذا الصندوق بعقلية التجربة، وحين تُحمَّل الكلفة للمشترك لا لصانع القرار، تتآكل الثقة، ويترسخ الشعور بأن المال العام بلا حارس، وأن الخطأ الرسمي لا ثمن له. دولة تحترم نفسها لا تطلب من مواطنيها الصمت، بل تفتح الملف، وتُراجع، وتُحاسب.

أما القطاع الحكومي، فقصته تختصر كل شيء.
منذ عقدين نسمع عن تطوير القطاع العام، وإعادة الهيكلة، ورفع الكفاءة، والتحول الإلكتروني. خطط تُعلن، واستراتيجيات تُدشّن، ثم تُحفظ في الأدراج. البيروقراطية لم تُكسر، بل تغيّر شكلها فقط. أنظمة إلكترونية تُدار بعقلية ورقية، لأن من أمسكوا بهذا الملف لم يغيروا طريقة التفكير، بل غيّروا الأدوات فقط.

الأخطر من الفشل نفسه أن من صاغوا هذه السياسات والخطط خلال السنوات الماضية ما زالوا في مواقع التأثير وصنع القرار. نفس الأسماء، نفس المدارس، نفس اللغة، ونفس الأعذار. يتم تدويرهم من موقع إلى آخر، وكأن الإخفاق خبرة، وكأن التعثر سجل مهني يُكافأ لا يُحاسَب. كيف نطلب نتائج مختلفة، ونحن نصرّ على الاستمرار بذات النهج وذات الأشخاص؟

هذا الفراغ هو ما يفسر كل ما نراه اليوم:
يفسر تردي الدراما والفن،
ويفسر غياب الرسالة الإعلامية،
ويفسر تفشي التفاهة،
ويفسر العنف المجتمعي،
ويفسر الإحباط العام،
ويفسر لماذا تتحول القضايا الهامشية إلى معارك وطنية، بينما الملفات المصيرية — كملف الضمان — تُدار بالصمت أو التسويف.

الأردن لا يعاني من نقص في العقول ولا في الكفاءات. يعاني من إدارة تخشى القرار، ومسؤولين اعتادوا التأجيل، ونظام عمل لم يعرف المحاسبة الجادة منذ سنوات طويلة. عشرون عامًا من “إدارة المرحلة” بدل بناء المستقبل، ومن الهروب من الخطأ بدل مواجهته.

الخطر الحقيقي اليوم ليس فقط في التراجع، بل في تطبيع التراجع. أن نعتاد هذا المشهد، وأن نقنع أنفسنا أن هذا هو الحد الممكن، وأن يُصنّف أي نقد صريح على أنه تشاؤم أو مبالغة. هذه أخطر نتائج التأخير: مجتمع يبدأ بفقدان حس الصدمة.

الأردن لا يحتاج بيانًا جديدًا، ولا لجنة إضافية، ولا خطة تُطلق بعنوان مختلف. يحتاج اعترافًا صريحًا بأن إدارة العشرين سنة الماضية أخفقت، وأن الاستمرار بذات النهج لن ينتج إلا مزيدًا من الفراغ.

إما أن يُملأ هذا الفراغ بمسار مختلف وجدي،
أو يُترك كما هو…
وعندها لن يكون القادم أفضل، بل أكثر قسوة

 

*استاذ الموارد البشرية
مستشار التطوير الإداري والموارد البشريةً



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

البرلمان العربي يدين تفجيرًا إرهابيًا استهدف حافلة ركاب بريف دمشق

واشنطن تضغط على إسرائيل لإقرار هدنة في غزة

إسبانيا تفرض قيودًا على الرحلات الجوية والسفن القادمة من إيطاليا

الحكومة التركية تنفي أي تعارض بين اتفاقية الدفاع والتزامات الناتو

مسؤول أميركي: تقدم في محادثات عُمان وإيران حول مضيق هرمز

تنفيذ حزمة مشاريع تنموية بالكرك لدعم البيئة الاستثمارية

انطلاق منافسات بطولة الحسن الدولية العاشرة للتايكواندو

مجلس الشيوخ الأميركي يتبنى عقوبات جديدة على روسيا

الحوثيون يتبنون هجومًا على معسكر للقوات الحكومية في مأرب

عقوبات أميركية تستهدف منصات عملات رقمية مرتبطة بتمويل الحرس الثوري

البناء الوطني: المباني غير المعزولة تزيد استهلاك الكهرباء في موجات الحر

انطلاق رحلات برنامج أردننا جنة في الكرك

عون: تقدم إيجابي في مفاوضات روما حول الحدود والأسرى

سامو زين يفاجئ جمهوره ويعلن ارتباطه بفنانة مصرية

أوبن إيه آي تتيح محادثات غير محدودة لمستخدمي ChatGPT المجانيين

بعد انتشار فيديو مؤثر لها .. آخر تطورات قضية نور برغل

122 موقعاً مزيفاً تنتحل مؤسسات أردنية .. تقرير رسمي يكشف أخطر أبواب الاختراق

النواب يقر 27 مادة .. والحكومة توضح تعديلات تملك غير الأردنيين

فيديو يهز إربد .. سائق يفر بعد الاستيلاء على 50 ديناراً وشاب يسقط أرضاً خلال مطاردته

نور برغل .. ماذا بعد عطوة الاعتراف وكيف سيحدد القضاء التهمة؟

احتراق 3206 مركبات في الأردن خلال عامين

قطعت جثة والدتها ووضعت رأسها بالثلاجة لأنها أفشلت زيجاتها

هزة أرضية تضرب مصر ويشعر بها سكان العقبة

لديك مخالفات سير؟ تعرّف من يشمله خصم الـ30% وكيف يُحتسب المبلغ

تفسير رؤية الخنزير في المنام

تعديلات قانون الجامعات الأردنية تدخل حيز التنفيذ

إيران تحدد أهدافاً عربية إذا هاجمت أمريكا منشآت الطاقة

كم دقيقة يستطيع الإنسان تحمل الشمس عند 38 أو 40 درجة مئوية؟

شاهد .. ضحية الكريستال: المخدر شيطان دمّر حياتي

15 حالة إصابة بتسمم غذائي في الهاشمية والزرقاء تغلق مطعماً احترازياً