إيران الشارع الشعبي: منظومة الاستبداد وتراث الثورة

إيران الشارع الشعبي: منظومة الاستبداد وتراث الثورة

13-03-2026 04:26 AM

إذا جهد المرء للوقوف على رأي رصين معمّق وموضوعي حول حال الجمهورية الإسلامية في إيران الراهنة، واجتهد خصيصاً أن يكون صاحب ذلك الرأي باحثاً مشهوداً له بالكفاءة ويتمتع بهذه الصفات الرصانة والتعمق والموضوعية؛ فإنّ حميد دباشي (1951 ــ ) قد يكون أحد أفضل المرشحين، إنْ لم يكن الأفضل في صفّ الأحياء وضمن قائمة الحاضر. تعريفه الموسوعي يقول إنه مؤرّخ ومفكر وناقد ثقافي، وهو أستاذ الدراسات الإيرانية في جامعة كولومبيا ــ مدينة نيويورك؛ ومؤلفاته تغطي مسائل السلطة في الإسلام وعقائد التشيع الحديثة، والتصوّف والاستشراق، فضلاً عن أبحاث نقدية وتنظيرية في الآداب والفنون (له كتاب لافت حول السينما الإيرانية، مثلاً).
لكنّ كتابه “إيديولوجيا السخط: الأساس الإيديولوجي للثورة الإسلامية في إيران”، الصادر بالإنكليزية في الطبعة الأولى سنة 2006 ضمن منشورات راوتلدج، لندن ونيويورك؛ يواصل، حتى إشعار آخر، احتلال موقع المرجع الأفضل حول سلسلة الركائز الفكرية والفقهية والدينية، الثورية منها والإصلاحية والمحافظة، التي صنعت وتصنع معمار السلطة الحالية في إيران، التي لا غبن ولا تعسف في تعريفها تحت توصيف نظام آيات الله الملالي.
ليس هذا المقال هو المقام المناسب لاستعراض فصول الكتاب، بالطبع، ولكن الغاية من اقتباسه في هذه السطور هو الإشارة، الوجيزة تماماً هنا، لثماني شخصيات صنعت ما يسميه دباشي “القوى التكوينية” للإيديولوجيا الإسلامية في إيران؛ حيث سيكون لافتاً، ومفاجئاً في اعتبارات غير قليلة، مقادير هيمنة المنحى الإصلاحي، وأحياناً العصري والحداثي، لهؤلاء. هنا الأسماء، وعناوين الفصول المقترنة لها، حسب دباشي:
ــ جلال آل أحمد، فجر “الإيديولوجيا الإسلامية”؛
ــ علي شريعتي، المنظّر الإيديولوجي بامتياز؛
ــ مرتضى مطهري، المنظّر الإيديولوجي الرئيس للثورة الإسلامية؛
ــ سيد محمد طالقاني، أبُ الثورة؛
ــ العلامة سيد محمد حسين طباطبائي، البُعد الفلسفي لـ”الإيديولوجيا الإسلامية”؛
ــ مهدي بازركان، المهندس التقيّ؛
ــ أبو الحسن بني صدر، الاقتصادي التوحيدي؛
ــ آية الله الخميني، لاهوتيّ السخط.
معظم هؤلاء هم، في يقين هذه السطور (التي لا تُناقض خلاصات دباشي نفسه)، ورثة تراث ديني وفقهي وسياسي ــ اجتماعي إصلاحي بمعدلات عالية، وثوري بمعنى الانتصار لمظالم سواد الشعب الإيراني خلال عقود حكم الشاهنشاهية والأسرة البهلوية. وليس أقلّ أهمية، تالياً، أنهم دعاة تحرير وتطوير وحُسن تفسير وتنوير لتيارات التشيّع المختلفة عموماً، ولمواقف آيات الله في قم الإيرانية والنجف العراقية على وجه الخصوص.
في عبارة أخرى، تتوقف هذه السطور عند استحضار هؤلاء الثمانية في كتاب دباشي، بغرض التساؤل عمّ بقي من إرثهم في الحاضر الإيراني، الفقهي والسياسي والتنظيري، من جانب أوّل؛ وكم يحضر، في طيات ذاك المتبقي، من منجزات الثورة الدستورية الإيرانية، أو “حركة المشروطة”، سنوات 1905 ــ 1911، من جانب ثانٍ؛ وما إذا كان صعود علي خامنئي، بعد وفاة الخميني سنة 1989، وابنه مجتبى اليوم، بمثابة ردّة إلى الوراء قد تعادل انتكاسة في حصيلة الشخصيات الثماني، من جانب ثالث.
وكانت انتفاضة المشروطة قد انطلقت أصلاً ضدّ الشاه مظفر الدين، بقيادة فقهاء شيعة بارزين أمثال محمد الطباطبائي وعبد الله البهبهاني وكاظم الخراساني (بين أنسب ألقاب الأخير أنه الأب المؤسس للدستور والنهضة والإصلاح السياسي في إيران) وعبد الله المازندراني ومحمد حسين النائيني… ولكن ليس عجيباً، ولا طارئاً، أنّ الصف المناهض لهؤلاء، أي ذاك الذي يوالي الشاه عملياً وعلانية، شكّله نفر من رجال الدين وآيات الله أيضاً؛ فاستحقوا بالفعل تسمية “أنصار المستبدّة”، ولم يتحرّج النائيني في وضعهم ضمن فريق ذي مواصفات متدنية ومخزية: “عَبَدة الظالمين”، “علماء السوء”، “لصوص الدين”، و”مُضلّي ضعفاء المسلمين”.
والحال أنّ النائيني استلهم جمال الدين الأفغاني وروحية كتابه الرائد “طبائع الاستبداد”، ولكن في ميدان سياسي فقهي شائك هو الإمامة الغائبة، ومدى حقّ الأمّة في ولاية نفسها وتشكيل حكومة زمنية عادلة (أي: ديمقراطية، حسب النائيني)؛ بدل الركون إلى حكومة لازمنية مطلقة (ومستبدة بالضرورة، لأنها جزء من شعبة الاستبداد الديني، حسب النائيني أيضاً). وإذْ تعلن الولايات المتحدة ودولة الاحتلال أنّ أحد أبرز أهداف الحرب الراهنة ضدّ إيران، هو “تحرير” الشعب الإيراني وتشجيع الانتفاض ضدّ سلطة آيات الله؛ وإذْ يُنتخب مجتبى خامنئي، في سياقات هذه الحرب، مرشداً أعلى وريثاً لوالده القتيل بضربة إسرائيلية؛ فإنّ استلهام تراث “المشروطة” قد يُستردّ اليوم من جانب الشارع الشعبي الإيراني لتسفيه المقاربتًين معاً: الإسرائيلية/ الأمريكية من جهة، وتوريث موقع الولي الفقيه من جهة مقابلة.
ذلك لأنّ مصائر أمثال آل أحمد وشريعتي ومطهري وطالقاني وطباطبائي وبازركان وبني صدر كانت بمثابة فصول سبقت انزلاق إيران الثورة الإسلامية إلى نمط في الحكم والتسلط والاستبداد عنوانه ولاية الفقيه من حيث التغطية الشرعية الدينية، ومضامينه تتراوح بين تغليب تيارات التشدد والمحافظة وتمكين أجهزة الاستخبارات في الداخل، و”تصدير الثورة” عن طريق “الحرس الثوري” و”فيلق القدس” في الخارج. ولعلّ بين أوضح مفارقات هذا الانحدار، الجدير أيضاً بصفة الانحطاط، أنّ شخصية مثل علي لاريجاني، يتزعم اليوم تيار التشدد والقمع والمحافظة بمباركة من المرشد الأعلى القتيل نفسه، عُدّ ذات يوم “ليبرالياً” موالياً للغرب؛ وتوجّب أن يستقيل من أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي (ذاته، الذي عاد إلى ترؤسه اليوم!)، وأن يُستبعد من ملفّ المفاوضات النووية مع الغرب، ويُستبدل بالدبلوماسي الشاب سعيد جليلي أحد إمعات الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد.
مفارقات من هذا الطراز ليست، البتة، في صالح الشارع الشعبي الإيراني، خاصة خلال أطوار الحرب الأمريكية/ الإسرائيلية الراهنة ضدّ إيران الشعب والبنى التحتية والاقتصاد والاجتماع والتاريخ؛ كما أنها، في استطراد منطقي بسيط، ليست في صالح شعوب المنطقة أيضاً، أياً كانت مظالمها المستحقة في ذمّة آيات الله حكام إيران. وهذه مفارقات تؤكد الإمعان في النكوص، ليس إلى ما قبل رئاسة محمد خاتمي الأولى، 1997، حين لاح أنّ التيّارات الإصلاحية توشك على إحراز تقدّم، فحسب؛ بل، كذلك، على أنقاض ما تبقى من تراث أمثال آل أحمد وشريعتي ومطهري وطالقاني وطباطبائي وبازركان وبني صدر.
وما يتيح تعزيز تيارات التشدد والمحافظة والنكوص، على شاكلة تتويج مجتبى خامنئي وتشديد تطبيقات مبدأ الولي الفقيه، هو هذا بالذات: أنّ ثوابت الاستبداد الإيرانية الراهنة اقتضت وتقتضي دفع شرائح عريضة من الشارع الشعبي الإيراني إلى موقع المعارضة، على اختلاف مجموعاتها وتباين أجنداتها؛ وأنّ ردود منظومة آيات الله سوف تأخذ منحى التشدد في مسائل السياسة الداخلية والحقوق والحريات والعقيدة، مثلما تستدعي البطش والقمع والتنكيل.
وإذْ تستدعي هذه المواجهة قسطاً غير ضئيل من تراث “المشروطة”، ولعلها سوف تفرز مجدداً نماذج معاصرة وعصرية من شخصيات النائيني والبهباني والخراساني، في قلب التديّن الشعبي، العابر لمذاهب وإثنيات شتى تشكل النسيج الإيراني عالي التنوّع؛ فإنّ الحرب الأمريكية/ الإسرائيلية الراهنة، وآمال استخبارات واشنطن وتل أبيب في تفكيك البلد وتشظية مكوناته، هي أغلب الظنّ في ذيل معادلات تلك المواجهة، إذا اندرجت في عدادها أصلاً!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد