مفاجأة ترامب وخديعته البائسة

مفاجأة ترامب وخديعته البائسة

28-03-2026 01:55 AM

قد نكون بصدد فاصل دبلوماسي في حرب العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران، وربما بصدد هدنة مؤقتة تستمر شهرا، حسب مقترح لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، نقلته رئاسة الوزراء الباكستانية مؤخرا إلى طهران، مع لائحة شروط أمريكية من 15 نقطة، يتعلق أغلبها بتفكيك البرنامج النووي الإيراني، والوقف الصفري لتخصيب اليورانيوم، وتسليم أكثر من 400 كيلوغرام يورانيوم مخصب بنسبة تفوق الستين في المئة لوكالة الطاقة الذرية الدولية، والوقف الكامل لعمل المفاعلات النووية في نطنز وأصفهان وفوردو، إضافة لتقييد البرنامج الصاروخي الإيراني، والحد من مدى الصواريخ الباليستية بحيث لا تصل إلى كيان الاحتلال الإسرائيلي، وإنهاء دعم الجماعات الحليفة لإيران في فلسطين ولبنان والعراق واليمن، والفتح الفوري لمضيق هرمز أمام الملاحة الدولية وناقلات البترول وسفن الغاز ومشتقاته .
وباستثناء المطلب الأخير المستجد، لا تبدو لائحة الطلبات الأمريكية جديدة، فهي ذاتها التي كانت مطروحة قبل شن واشنطن وتل أبيب للحرب الجارية صباح 28 فبراير 2026، ولا يتصور أحد أن تقبل طهران بها، فقد رفضتها في جولات مفاوضات مسقط وجنيف قبل الحرب، ولا يعقل أن تقبل بمناقشتها بعد أربعة أسابيع حرب، أبدت فيها طهران صمودا مذهلا، وطورت في الأسبوع الرابع ضرباتها الصاروخية على مناطق كيان الاحتلال وقواعده ومصانعه العسكرية كافة، بدءا من موجة الصواريخ الإيرانية رقم 73، التي أدت لدمار مهول في مدينتي عراد وديمونة في منطقة النقب، وعلى مقربة من مفاعل ديمونة النووي، وبدت فيها مقدرة الصواريخ الفرط صوتية والانشطارية العنقودية المتفوقة على اكتساح طبقات الدفاع الجوي والصواريخ الاعتراضية الإسرائيلية والأمريكية، وهو ما تكرر قبلها وبعدها في ضربات مصافي حيفا، وفي ضربات ركزت على قلب كيان الاحتلال في تل أبيب الكبرى، وإلى أن باتت إيران تتحدث بثقة عن كسبها لسيادة جوية صاروخية في سماء الكيان، ربما في إشارة متحدية لتباهي الأمريكيين والإسرائيليين بالسيادة المطلقة لقاذفاتهم في سماء إيران.
وفي أجواء الغليان الحربي، خرج ترامب بإنذار كاسح وجهه إلى طهران، وأعطاها مهلة يومين، يقوم بعدها بتدمير محطات الطاقة والكهرباء في عموم إيران، ويغرق البلد كلها في الظلام، ولم ينس ترامب، أن يردد معزوفته الهزلية الصاخبة منذ اشتعلت الحرب، وأعلن أنه قام بمحو إيران من الخرائط بالكامل، وأن إيران لم تعد تملك لا قوات جوية ولا بحرية ولا دفاعات جوية، ولا قادة قتلوا جميعا بعمليات الاغتيال، ولم تكد مهلة ترامب تمضى إلى منتصفها، حتى ذهب الرجل البرتقالي البهلواني إلى مفاجأة في الاتجاه العكسي تماما، وأعلن أنه وجد القادة المناسبين في طهران، وقال إن إدارته تواصلت معهم، وأجرت معهم مفاوضات جادة وبناءة وإيجابية ومثمرة، وإنه قرر مد المهلة الموؤدة إلى خمسة أيام أخرى انتهت توا، وبدأ الشروع في ترتيب جولة مفاوضات جديدة في إسلام أباد الباكستانية، قيل إنها كانت من ثمار وساطات قامت بها حكومات مصر وتركيا وباكستان، وتبين أن ماسماه ترامب مفاوضات مفصلة، كان مجرد اتصالات ونقل رسائل عبر الوسطاء غالبا، وهو ما ظهر في الردود الإيرانية التي نفت قطعيا إجراء مفاوضات مع ترامب والإدارة الأمريكية، وبلغت سخرية الإيرانيين من إعلان ترامب ذروتها، مع تعقيب صدر عن مقر خاتم الأنبياء الحربي الإيراني، الذي علق بالقول ربما كان ترامب يفاوض نفسه، في الوقت الذي كانت فيه الصحف والمواقع الإخبارية الأمريكية خاصة أكسيوس، تواصل كشف بعض الخفايا من الكواليس، وتتحدث عن اتصالات هاتفية دارت بين عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني وستيف ويتكوف مبعوث ترامب المفضل إلى الشرق الأوسط، وعرض عراقجي للمطالب الإيرانية الثلاثة، وهي وقف إطلاق النار وتعهد واشنطن بعدم العودة أبدا للحرب ودفع تعويضات لإيران، فيما راح ترامب يواصل الغوص في فقاعته الشخصية، ويوحي بتواصله المباشر مع زعيم إيراني ليس المرشد الجديد مجتبى خامنئي، الذي نسبت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية إلى عراقجي قوله، في اتصال مع ويتكوف، أن المفاوضين الإيرانيين حصلوا على موافقة ومباركة مجتبى ما دامت الشروط الإيرانية ستجري تلبيتها.
والمعنى ببساطة في قصة الجولة الدبلوماسية الجديدة، أنه لا شيء في إيران يتم خارج إطار الطاعة للمرشد الجديد، لا في سياق الحرب ولا في جولات التفاوض، فهذه هي القاعدة الأولى في نظام الحكم الإيراني، الذي يمثل مجتبى خامنئي جوهر استمراريته، وإن كان مع ميل مضاف إلى تشدد يعرف عن خامنئي الابن، الذي يمتاز بعلاقات أوثق تربطه بمؤسسة الحرس الثوري، التي تقود الحرب ضد العدوان الأمريكي الصهيوني، وحتى الزعيم البديل الذي أشار إليه ترامب، وسربت اسمه دوائر لصيقة بالبيت الأبيض، وهو ـ على الأغلب ـ محمد باقر قاليباف رئيس مجلس النواب (الشورى) الإيراني، فقد خرج علنا ليبرئ نفسه وينكر أي اتصال جرى معه من قبل مسؤولين أمريكيين، وكان قاليباف من أوائل المبايعين بحماس للمرشد الجديد، وقاليباف قيادي قديم في الحرس الثوري وعمل فيه طيارا حربيا، وكان قائدا للقوة الجوية، ولعب دورا بارزا في تطوير البرنامج الصاروخي الإيراني، وكان البعض يرشحه للحلول محل الراحل علي لاريجاني الأمين العام لمجلس الأمن القومي، وإلى أن فاجأ مجتبى المتابعين بتعيين محمد باقر ذو القدر خلفا لعلي لاريجاني، بعد اغتيال الأخير بغارة إسرائيلية قتلته مع نجله وسكرتيره الشخصي، وكأن مجتبى المرشد المختفي عن الأنظار، أراد أن يؤكد اتساع وعاء اختياراته من القادة المتشددين مثله، وذو القدر تماما مثل قاليباف، من ذوي سوابق الخدمة المتقدمة في جهاز الحرس الثوري، وتوليته رئاسة مجلس الأمن القومي، توحى باستقرار نظام الحكم الإيراني، ورسوخ مؤسساته، وبقاء مؤسسة المرشد فوق كل السلطات، وبصلاحيات دينية ودنيوية جامعة، حسب الدستور الإيراني.
وفي ظل قيادة مجتبى، تنشأ نسخة جديدة من النظام الإيراني نفسه، قد تكون أكثر حيوية وأكثر تشددا، مع خامنئي الأصغر (56 سنة)، ويجري اختبارها في أصعب موقف واجه نظام الثورة الإسلامية الإيرانية منذ قيامه عام 1979، وبعد الاغتيال الدامي لأطول مرشد بقاء في منصبه (علي خامنئي المتوفي بعمر 86 سنة)، وهو ما تصور الأمريكيون والإسرائيليون، أنها ستكون نهاية النظام الإيراني، وأن النظام سيتفكك بعد صدمة رحيل مرشده المهيب، وأن الموساد الإسرائيلي سيدير ثورة جماهيرية إيرانية لإسقاط وإبادة النظام بعد قتل خامنئي الأب، الذي ظل رئيسا للجمهورية، ثم مرشدا أعلى لمدة قاربت الخمسين سنة، وهي الفكرة الجهنمية التي أقنع رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو الرئيس الأمريكي ترامب بها، وسحبه بإغراءاتها إلى المبادرة بإعلان الحرب على طهران، والبدء باغتيال خامنئي الأب وأسرته وعشرات من قادته العسكريين صباح السبت 28 فبراير الماضي، وأثبتت الأيام والأسابيع الصعبة بعد الاغتيال المفاجئ الصاعق، أن الفكرة والخطة عظيمة السذاجة، وتنصل منها ديفيد بارنياع رئيس الموساد نفسه، فالملايين التي خرجت للشوارع كانت من مؤيدي النظام الذي تجددت قمته تلقائيا، وسد الفراغات في صفوف قادته العسكريين، وبدأ المواجهة الحربية الكبرى بذكاء وبراعة، ونجح بعد الصمود المذهل في إلحاق الدمار بالمعتدين، وفتح ثغرات اتسعت في نظام الدفاع الجوي للعدو الأمريكي الإسرائيلي بالمنطقة، وتحطيم سلاسل راداراته الأغلى والأعظم تطورا تكنولوجيا، ونجح في الاحتفاظ بمخزون إيران الصاروخي، واستخدمه بتدرج وحنكة، إلى أن استطاع توجيه ضربات صاروخية مزلزلة إلى قلب الكيان المحتل. وقد يقال، وهو صحيح إلى حد معقول، إن ترامب يواصل الخداع الاستراتيجي البائس بمناورة المفاوضات الجديدة، التي رفضت إيران عناوينها بالجملة، بينما أمريكا تريد كسب الوقت لحشد آلاف الجنود تمهيدا لغزو بري، قد يبدأ من جزيرة خارك عاصمة تصدير البترول الإيراني في الخليج العربي، فسفن الأساطيل الأمريكية تحمل نحو عشرة آلاف جندي من نخبة المارينز والقوات الخاصة، ومن الفرقة 82 للقوات المحمولة جوا، ووصول هؤلاء قد يفتتح حرب الغزو البري والقضاء على النظام الإيراني ميدانيا، والحسبة تبدو عبثية، فغزو بلد كإيران بريا، يحتاج إلى مليون جندي على الأقل، وجيوش إيران تبدو قادرة على خوض المعركة البرية، إن جرت بكفاءة أكبر من معارك الجو والصواريخ والمسيرات، فيما لا يبدو ترامب مستعدا، ولا قادرا على تحمل تكاليف الدم المريعة للمغامرة البرية، وهو ما عبر عنه علي أكبر أحمديان ممثل المرشد مجتبى في مجلس الدفاع الإيراني، وعقب على أخبار إرسال آلاف الجنود الأمريكيين باتجاه إيران، وقال لهم في اشتياق وتوعد وتلمظ حربي كلمة واحدة هيا اقتربوا .



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد