تناقضات تتكلم بصوتٍ عالٍ

تناقضات تتكلم بصوتٍ عالٍ

01-04-2026 11:44 AM

في زمنٍ تتسارع فيه المنصات على عرض ما لديها بصرف النظر عن النوع والاهمية، وتعلو فيه الأصوات أكثر من الحقائق، لم يعد غريبًا أن نرى من يقدّم نفسه خبيرًا في كل شيء، فنسمع على سبيل المثال خبير تنمية بشرية، خبير حياة اسرية، حبير إدارة مالية وتطول قائمة الخبراء حتى في أكثر المجالات حساسية وتعقيدًا. لكن الغريب حقًا، هو حجم التناقض بين ما يُقال… وما يُعاش.
كيف يمكن لمن خاض تجارب فاشلة متكررة في حياته الأسرية—قد تصل إلى خمس زيجات انتهت بالطلاق—أن يتصدر المشهد ناصحًا في الاستقرار الأسري، ومتحدثًا بثقة عن أسرار النجاح الزوجي؟ وكيف يستقيم أن يقدّم شخص نفسه كمرجع في الإدارة المالية، بينما تلاحقه قضايا مالية أمام الجهات القضائية، أو يعجز عن إدارة شؤونه الشخصية؟ الى غير ذلك من التناقضات العجيبة!
ليست المشكلة في الخطأ… فالخطأ جزء من التجربة الإنسانية، بل هو أحيانًا بوابة الحكمة. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الخطأ إلى منصة وعظ، دون مراجعة حقيقية، أو اعتراف، أو حتى قدر من التواضع. هنا، يصبح التناقض فجًّا، ويغدو الحديث أقرب إلى استعراضٍ لفظي منه إلى تجربة ملهمة.
إن المصداقية لا تُبنى بالكلمات المنمقة، ولا بعدد المتابعين، بل بالتناسق بين القول والفعل. فالحياة ليست محاضرة نظرية، بل اختبار يومي للقدرة على التطبيق ومواجهة المشاكل المتعددة والمتنوعة. وما لم يكن الإنسان قادرًا على إدارة ذاته، سيظل حديثه عن إدارة الآخرين أو توجيههم فاقدًا للوزن والقيمة.
الأخطر من ذلك، أن هذه التناقضات لا تمر مرور الكرام؛ فهي تزرع الشك في عقول المتلقين، وتشوّه مفاهيم حقيقية كالتنمية الذاتية، والاستقرار الأسري، والإدارة الرشيدة. وحين تختلط النماذج، يصبح من الصعب على الناس التمييز بين الخبير الحقيقي، وصاحب الصوت العالي.
المجتمع اليوم بحاجة إلى قدوات صادقة، لا كاملة، بل واعية. قدوات تعترف بأخطائها قبل أن تقدّم نصائحها، وتشارك تجاربها بصدق لا بتجميل. فالقيمة ليست في أن تكون بلا عيوب، بل في أن تكون صادقًا مع نفسك أولًا، ومع الآخرين ثانيًا.
ليس كل من يتحدث خبيرًا، وليس كل من ينصح مؤهّلًا. فالحكمة لا تُقاس بعلو الصوت، بل بعمق التجربة، وصدق التطبيق. في النهاية، قد نستمع للجميع… لكننا لا نُصدّق إلا من يشبه قوله فعله.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد