واقع شركات الإنتاج الفني والدرامي في الأردن

واقع شركات الإنتاج الفني والدرامي في الأردن

31-03-2026 11:52 PM

لم يعد خافيا على أي متابع للشأن الفني في الأردن من ملاحظة الوضع الهشّ لشركات الإنتاج الفني فيها، وهو الآن يتأرجح بين ماضٍ حافل بإنجازات درامية محلية وعربية، وبين حاضرٍ يعاني من تراجع وضيق في مساحة العمل الدرامي، وتفاقم في الضغوط المالية على شركات الإنتاج.
أمام هذا المشهد البائس؛ والواقع الأليم للأعمال الدرامية يبرز المركز العربي للإنتاج الفني كرافعة فنية في ظل سبات تام؛ وكنموذج يحتذى به؛ وبشكل مبكر لتجربة إنتاجية فنية؛ خلّاقة ومنظمة ومستدامة، سعت وتسعى إلى جعل الأردن منصة إنتاجية قوية للدراما العربية، لا مجرد سوق بثٍ لمنتج خارجي.

تأسس المركز العربي للإنتاج الفني منذ عقود خلت؛ ويملك ساعات تلفزيونية يشهد لها القاصي والداني؛ بل وكان من أوائل المؤسسات الخاصة في الأردن التي أدخلت مفهوم العمل الإنتاجي الجماعي والمنظم إلى المشهد الدرامي الأردني، وذلك عبر الاستثمار في الإنتاج الفني بوصفه صناعة ولها فنياتها ؛ فعمل من بواكير تأسيسه في بناء استوديوهات، وتجهيزات فنية مواكبة لكل ما هو جديد وحديث في عالم الإنتاج، وتزامن ذلك بتدريب كوادر محلية وبسواعد أردنية ؛ تركت بصمتها في الوطن العربي .

مثّل المركز العربي للإنتاج الفني منذ تأسيسه رؤية طويلة الأمد؛ لتحويل هذه الصناعة إلى قطاع مهني حقيقي، بشكل علمي ومدروس ومقنن؛ يعتمد على مبدعين محليين؛ والتخطيط السليم، وضمان الجودة ومتابعتها، وتخفيض الاعتماد على موارد مؤقتة أو غير متخصصة؛ لتصنع منتجا بمخرجات ذات تنافسية عالية.

لكن ومع تراجع الدعم الحكومي - لأسباب مجهولة- والتحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في الأردن ودول الجوار؛ أصيبت شركات الإنتاج بالجمود، مما أضعف من استمرارية ديمومتها وتواجدها في السوق المحلي والعربي.

بناء على ما سبق أصبح كل متابع للشأن الفني يعي أن المشهد الدرامي الأردني لم يعد اليوم يشهد مشاريع إنتاجية متتالية على مدار السنة، بل أصبحنا نراه يتركّز في موسم واحد أو موسمين محدودين، وغالباً موسم رمضان، وأرى أنها حالة شاذة في المشهد الدرامي ؛بعد أن كان يشهد عشرات المسلسلات في العقود السابقة.

سابقا؛ كانت أغلب شركات الإنتاج تتبع، ولو جزئياً، نموذج التخطيط والإنتاج المدروس، ويبدو انها اختفت أو توقفت عن العمل، بينما بقيت بعض الشركات القليلة تجاهد وتقاوم ذاتيا، لكنها لا تستطيع بناء إنتاج متواصل دون وجود شريك مؤسسي أو مشاريع مالية مضمونة؛ لذلك ورغم كل الصعوبات سعى المركز العربي إلى بناء درامي عابر للحدود الأردنية، وعمل على جعل كل مشروع إنتاجي يبدأ من الصفر تقريباً، من حيث التجهيز، والتمويل، وتأمين الكوادر؛ وبجهد وتمويل ذاتي رغم يقينه بحجم هكذا مغامرة في ظل تلك المعطيات الصعبة محليا وعربيا.

إن الشركات العاملة في الإنتاج الفني تواجه بيئة اقتصادية محفوفة بالصعوبات والمخاطر؛ فتكلفة الإنتاج مرتفعة، وميزانيات الجهات المشترية من التلفزيونات والمؤسسات الرسمية ضئيلة، مما يُضعّف قدرتها على التخطيط على المدى المتوسط والطويل. أضف إلى ذلك تقلب السوق المحلي والعربي، وارتفاع تكاليف استئجار الاستديوهات والمعدات والمواصلات والمحروقات والأجور يزيد من هشاشة التقديرات المالية لأي مشروع فني درامي وازن؛ فأصبح المنتج يعاني كثيرا من تأخير أو تأجيل تنفيذ مشاريعهم، بينما تُضطر بعض الشركات إلى تأجيل أو تجزئة صرف الأجور، ما يخلق توتراً مع الممثلين والطواقم الفنية، ويفقد مناخ التعاون ثباته؛ مما ينعكس سلبيا على الإنتاج من حيث التوقيت والمدة الزمنية وبيئة العمل المتوترة.

حاليا وفي ظل زخم الدراما العربية القادمة من مصر وسوريا وبعض الدول الخليجية ، أصبحت السوق مكتظة بالأعمال ذات موازنات عالية وجودة إنتاج كبيرة، ما يُقلّل من قدرة المسلسل الأردني على المنافسة في عمليات الشراء والبيع. في هذا السياق، كان للمركز العربي للإنتاج الفني ميزة نسبية في بعض لحظات التاريخ، فهو يمتلك مرفقاً إنتاجياً متكاملاً، ويتعامل مع الأعمال كسلع إنتاجية قابلة للتسويق، لا مجرد "مشاريع مناسباتية" مع مغامرة تحمل كلفة الإنتاج. عكس معظم الشركات الخاصة الأخرى التي تنتج بموازنات محدودة، وتفتقد إلى استوديوهات حديثة أو معدات متطورة، مما ينعكس على جودة أقل في المنتج الفني، وصعوبة في بيع الأعمال أو تحقيق عوائد مُرضية.

إن الظروف المادية الصعبة التي تعاني منها شركات الإنتاج؛ وبسب غياب الدعم الحكومي المباشر وغير المباشر؛ تُثقل علاقتها بالفنانين والطواقم الفنية؛ حيث يُعدّ العمل في الدراما مجالاً غير مضمون من الناحية المالية، لذلك نرى أن بعض الشركات يعانون من تأخير الرواتب والأجور والمستحقات المالية، وكثير من الفنيين والفنانين يلجأون إلى مهن مساعدة أو تقليل نشاطهم الفني، ما يُضعف من توافر الكوادر المهنية المتخصصة عند الحاجة لمشروع إنتاجي جديد؛ هذا "التوتر المالي" يُهدد استمرارية العمل الجماعي، ويُضعف من روح التعاون بين المبدعين والمنتجين، في الوقت الذي يحتاج فيه أي مشروع إلى فرق متكاملة ومستقرة، وهو الأمر الذي عمل المركز العربي على تنظيمه في فترة نشاطه وزخمه الدرامي؛ وذلك يشمل مشاريع إنتاجية متكررة على مدار السنة، ودعم لكتّاب السيناريو والطواقم الفنية، وتطوير استديوهات ومرافق إنتاج حديثة بمشاركة القطاعين العام والخاص.

إن تفعيل دور المؤسسات الرسمية كشريك إنتاجي، وليس مجرد جهة بث، واعتماد نموذج استثماري مشترك يمكن أن يُخفف من المخاطر على الشركات، ويعزّز من قدرتها على تقديم محتوى متنوع وجودة أعلى؛ إضافةً إلى ذلك، يُعدّ تشجيع الاستثمار في الصناعة الإبداعية، ووضع قوانين وحوافز تجعل من إنتاج الأعمال المحلية مجالاً جاذباً لرؤوس الأموال، أمراً أساسياً لضمان استمرارية شركات الإنتاج، وصدّ هجرة الكفاءات إلى بيئات أكثر استقراراً إنتاجياً.

بهذا التكامل، يمكنني القول أن المركز العربي للإنتاج الفني ليس مجرد تجربة ماضية، بل مرجعية تُذكّر بحاجة القطاع اليوم إلى نموذج مشابه: منظمة للإنتاج، وبنية تحتية، ودعم مؤسسي، فضلاً عن روح احترافية وطنية، تُعيد للدراما الأردنية دورها الطبيعي في المشهد الإعلامي العربي، بعد أن تراجعت شركات الإنتاج الأخرى إلى حالة الترنّح والانكماش.




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد