تفاح المجانين

تفاح المجانين

15-05-2026 02:40 PM




الربيع عند معظم الناس موسم فواكه، لكن عند بعض المغامرين موسم تجارب خطيرة؛ فثمرةٌ واحدة تمنحك الصحة والفيتامينات، وأخرى تجعلك مقتنعًا أنك شاعر وفيلسوف ومطرب شعبي… وكل ذلك قبل غروب الشمس!

ويبدأ بعض الناس رحلة المغامرة السنوية بين الإسكدنيا المحترمة و”تفاح المجانين” المشبوه، حتى أصبح التفريق بين الفاكهة والهلوسة اختبارًا حقيقيًا للذكاء. فالشكل وحده لا يكفي للحكم، لا على البشر ولا على الثمار؛ إذ قد تبدأ يومك بأكل ثمرة صفراء تظنها إسكدنيا مفيدة، لتنهيه بنوبة هلوسة تخاطب فيها الناس وكأنك شاعر العصر!

في بلادنا، لا تحتاج إلى شهادة في الزراعة كي تميّز بين الثمرة الطيبة والثمرة التي قد تجعلك تغني للجدران وتناقش النوافذ في قضايا الوجود. يكفي أن يكون لك جار عجوز، أو راعٍ جرّب الحياة مرتين: مرة بعقله، ومرة بعد أن أكل “بيض أبو مجن”.

فنحن أمة عظيمة في الخلط؛ نخلط بين القهوة والهيل، وبين الكبتشينو والنسكافية، وحتى بين الإسكدنيا و”تفاح المجانين”. ترى الثمرتين متشابهتين في الشكل واللون، وكأن الطبيعة قررت أن تختبر ذكاء البشر بطريقة ساخرة.

الإسكدنيا، تلك الفاكهة الربيعية المهذبة، تأتيك صفراء برائحة لطيفة وطعم حلو حامض. أصلها من جنوب الصين، لكنها تأقلمت معنا بسرعة، ربما لأنها وجدت شعبًا يحب أي شيء يظهر في الربيع.

أما “بيض أبو مجن”، فهو نبات يبدو وكأنه خرج من اجتماع سرّي بين الأعشاب السامة والنفس الردية شخصيًا. أوراقه كبيرة خضراء، أزهاره بنفسجية، وثماره صفراء بنية تشبه الإسكدنيا إلى حد مخيف.

لكن الفرق الحقيقي يبدأ بعد الأكل.

الإسكدنيا تمنحك الفيتامينات وتحسن التنفس وتدعم القلب، بينما “تفاح المجانين” يمنحك فرصة مجانية لاكتشاف كواكب جديدة دون الحاجة إلى وكالة فضاء. يقول أهل القرى: إن أكلته أخضر فقد تكون تلك آخر وجبة في حياتك، وإن أكلته أصفر بالبذور “تزَهْزَه” وغنيت "على الهودلك"، وإن أكلته بلا بذور وبكميات قليلة بدأت ترى الدنيا أكثر جمالًا من اللازم، فترقص وحدك وتضحك لأسباب لا يعرفها أحد.

والعجيب أن الناس، رغم معرفتهم بخطورته، ما زالوا يتعاملون معه بثقة عربية أصيلة؛ نفس الثقة التي تجعل أحدهم يصلّح الكهرباء بملعقة، أو يشخّص الأمراض عبر مجموعات الواتساب.

والأطرف من ذلك أن لهذا النبات فوائد علاجية أيضًا؛ فجذوره تدخل في تخفيف الألم، وزيوته تُستخدم للدغات الأفاعي والعقارب والجروح. وكأن الطبيعة تقول لنا: “الذي يقتلك قد يشفيك… حسب الكمية والمزاج!”

وفي القرى، ما زال كبار السن يتحدثون عن الرعاة الذين أكلوا من ثماره فناموا ساعات طويلة، أو عادوا يهذون بكلام لا يُفهم، حتى صار الناس يحتارون: هل من يأكل “تفاح المجانين” يُحسب مع المدمنين أم مع المجانين أم مع فئة جديدة اسمها “المبسوطون بلا سبب”؟

ولعل المشكلة ليست في “بيض أبو مجن” نفسه، بل في الإنسان الذي يصر دائمًا على تجربة كل شيء فقط لأن شكله يشبه شيئًا آخر. وهكذا تستمر المآسي العربية: واحد يأكل نباتًا سامًا لأنه يشبه الإسكدنيا، وآخر ينتخب فاسدًا لأنه يشبه المصلحين، وثالث يصدّق الإشاعات لأنها مكتوبة بخط جميل.

بين الإسكدنيا وبيض أبو مجن درس عظيم: ليس كل ما يشبه الفاكهة يُؤكل، وليس كل ما يلمع حكمة، وليس كل من يضحك سعيدًا… فقد يكون فقط قد أكل “تفاح المجانين”.

لذلك، قبل أن تمد يدك إلى أي ثمرة صفراء في الربيع، اسأل نفسك سؤالًا مصيريًا: هل أريد فيتامينات… أم أريد أن أرقص وحدي في الحوش وأنا أناقش القمر عن لون عيون بنت الجيران؟

وعشان هيك الإسكدنيا عند الناس إلها معاملة VIP: غطاء من الخيش واهتمام وسؤال كل صبح… أمّا تفاح المجانين؟ مكشوف للقاصي والداني.

نستنتج أن الإسكدنيا تُؤكل بعد الغسيل، أمّا “تفاح المجانين” فيُفضّل الاكتفاء بالنظر إليه من بعيد… لأنه ببساطة قد يجعلك تطلب موعدًا مع القمر لمناقشة وضع العالم بعيدًا عن كل مشاكل الحياة.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

مسيّرة إسرائيلية تحلق في أجواء الضاحية الجنوبية لبيروت

الجيش يحبط محاولتي تهريب كمية كبيرة من المواد المخدرة بواسطة بالونات

هيئة الخدمة: عقد اختبارات تنافسية إلكترونيا بجامعتي اليرموك والعلوم والتكنولوجيا

ارتفاع الصادرات الزراعية خلال النصف الأول للعام الحالي

الذهب يحافظ على استقراره في السوق المحلية خلال تعاملات الأحد

أوبك+ يوافق مبدئيا على رفع حصص إنتاج النفط 188 ألف برميل يوميا في آب

لماذا تبني الدول الكبرى مراكز للقيادة الاستراتيجية؟ وماذا تعني التجربة المصرية؟

الترخيص :نقل خدمات محطة إربد المسائية إلى مقرها الدائم

ارتفاع حصيلة ضحايا الزلزالين في فنزويلا إلى 3000 قتيلا

التربية تكشف تفاصيل تصحيح الرياضيات وتطمئن طلبة التوجيهي

تحويلة مرورية لصيانة جسر الرصيفة على طريق عمان التنموي الاثنين

هيئة تنظيم النقل البري تطرح 10 خطوط جديدة للنقل داخل جرش

وزارة العمل: 15 موقعا لإقامة فعاليات اليوم الوطني للتشغيل الثلاثاء

الجزر الأميركية في المحيط الهادئ تستعد لإعصار "خطير جدا"

مستوطنون يحرقون مطعما جنوبي نابلس

موعد مباراة المغرب وكندا في كأس العالم 2026 .. التوقيت في الدول العربية والقنوات الناقلة والبث المباشر

ذهب وملابس داخلية ذهبية تهز العراق .. ماذا يحدث؟

حادث مأساوي يودي بحياة شاب أردني في الولايات المتحدة

الصحافة الأجنبية تعلق على مباراة الأردن والأرجنتين .. ماذا قالت عن أبو ليلى وهدف ميسي

ماذا حدث لمتّبعي نظام الطيبات؟ أطباء يحسمون الجدل والأرقام تكشف المفاجأة

توقعات الذكاء الاصطناعي لبطل مونديال 2026 .. المرشح الصادم

هبة مجدي تكشف أزمتها الصحية وتخوض رحلة علاجية ضد السرطان

أفضل سيارة كهربائية في الأردن 2026 .. مفاجأة صينية تتفوق على المنافسين بالسعر والمواصفات

رحيل بطل مسرحية 'شاهد ما شفش حاجة'

قبول الدخالة في قضية طالب التوجيهي فهد أبو شايب .. والأردنيون ينتظرون العدالة

استقالة خالد البكار .. هل تؤسس أول استقالة بسبب تضارب المصالح لمرحلة جديدة من المساءلة الحكومية؟

موعد مباراة مصر وأستراليا في كأس العالم 2026 .. التوقيت والقنوات الناقلة والبث المباشر

السجن خمس سنوات لمحاسب في الجمعية العلمية الملكية بتهمة الاختلاس

غرامات تصل 3000 دينار لمخالفي تعليمات إخفاء السجائر

تفاصيل جديدة في قضية اختلاس بآلاف الدنانير