جيل الحرب: الخطر الداهم على سوريا

جيل الحرب: الخطر الداهم على سوريا

16-05-2026 02:12 AM

لا تخرج الحروب والصراعات من البلدان عندما تتوقف المعارك. هذه حقيقة يتجاهلها كثيرون عمداً، لأن الاعتراف بها يفرض مسؤوليات ثقيلة. أخطر ما تخلّفه الحروب ليس الدمار المادي، ولا الخراب الاقتصادي، بل الإنسان الذي تشكّل وعيه داخل الفوضى. جيل كامل نشأ في بيئة مختلّة، وتعلّم قوانين الحياة من فوهة البندقية وساحة الفوضى، لا من المدرسة ولا من الأسرة ولا من الدولة.
في سوريا، كما في كل الدول التي عاشت صراعات طويلة، برز جيل وُلد أو كبر في زمن استثنائي، لكنه تعامل معه بوصفه الوضع الطبيعي. من كان في العاشرة أو الحادية عشرة عند شعلة الثورة الأولى، أصبح اليوم في منتصف العشرينات. هذه ليست أرقاماً عابرة، بل سنوات التكوين النفسي والأخلاقي والعقلي. وهي أخطر مرحلة في بناء الإنسان. المشكلة أن هذه السنوات مرّت في ظل انهيار شبه كامل لمنظومات القانون، والتعليم، والردع، والأخلاق والقيم العامة.
هذا الجيل لم يشهد دولة تعمل، ولا مجتمعاً مستقراً، ولا خطاباً أخلاقياً متماسكاً. ما رآه كان العكس تماماً: سلاح منفلت، عنف يومي، موت بلا حساب، تجاوزات بلا عقاب، وانتهاكات من كل الأنواع. في مثل هذا المناخ، لا يتعلّم الإنسان أن الخطأ خطأ، بل يتعلّم أن القوة والفوضى هي القانون، وأن الصوت الأعلى هو الصحيح، وأن الإفلات من العقاب قاعدة لا استثناء.
هنا تبدأ الكارثة الصامتة. كثير من هؤلاء لم يعودوا يرون في الفوضى خللاً، بل أسلوب حياة. لم يعودوا يميّزون بين الجرأة والوقاحة، ولا بين الحرية والانفلات، ولا بين الاعتراض والجريمة. سلوكيات الحرب تسللت إلى حياتهم اليومية، إلى لغتهم، إلى تفاعلاتهم الاجتماعية، وحتى إلى نظرتهم لأنفسهم وللآخرين.
اليوم، يمكن ملاحظة هذا النموذج بوضوح على وسائل التواصل الاجتماعي. خطاب عدائي، لغة منحطة، شتائم بلا حدود، تشهير، تخوين، تحريض، واستهانة مطلقة بالقيم العامة. البعض يتعامل مع هذه الظاهرة بخفة، ويصفها بأنها “تنفيس” أو “حرية تعبير”. هذا تشخيص كسول وخاطئ. ما نراه ليس اختلافاً في الرأي، بل أعراض اضطراب اجتماعي عميق وخطير.
المشكلة ليست في أن هؤلاء “سيئون أخلاقياً” بالفطرة، بل في أنهم لم يتعلموا الأخلاق أصلاً ضمن إطار طبيعي. الأخلاق ليست شعارات، بل ممارسة يومية يفرضها المجتمع والقانون. وعندما يغيب القانون، وتنهار السلطة الرمزية للمؤسسات، يصبح الانحراف هو القاعدة، والانضباط استثناءً.
الأخطر من ذلك أن هذا الجيل، إذا تُرك دون معالجة، سيتحول من ضحية إلى مُنتِج للفوضى. ما لم يتم كسر هذه الحلقة، سنجد أنفسنا أمام إعادة تدوير للعنف، لكن بأشكال جديدة: جريمة منظمة، تطرف فكري، عنف مجتمعي، وانهيار إضافي للثقة بين الناس. الدولة التي تتجاهل هذا الملف تؤجل انفجاراً لا تلغيه.
هنا يجب أن نكون واضحين وقساة مع أنفسنا: التبرير جريمة ثانية. لا يمكن الاستمرار في التعامل مع هذه السلوكيات بوصفها نتيجة حتمية للحرب فقط، دون الانتقال إلى مرحلة المحاسبة والمعالجة. نعم، هؤلاء ضحايا، لكنهم قد يتحولون إلى خطر حقيقي إن لم يُعاد تأهيلهم. الرحمة لا تعني الفوضى، والفهم لا يعني التساهل.
والأخطر من كل ما سبق هو ذلك التحالف غير المعلن بين الفوضويين والمبرّرين. فكل سلوك منحرف يجد له اليوم من يبرره باسم “الظروف”، وكل تعدٍّ يجد من يشرعنه باسم “الحرية”، وكل جريمة لفظية أو سلوكية تجد من يغلفها بخطاب حقوقي فارغ. هؤلاء لا يقلّون خطراً عن أصحاب السلوك المنفلت أنفسهم، لأنهم يزيلون آخر الحواجز النفسية أمام الانحدار الكامل. عندما يصبح الخطأ “مفهوماً”، والجريمة “سياقاً”، والانحطاط “رأياً”، نكون قد دخلنا مرحلة انهيار أخلاقي جماعي لا علاقة له بالحرب بقدر ما له بالعجز عن المواجهة.
الحرب تفسّر الانحراف، لكنها لا تشرّعه. والضحية لا تُعفى تلقائياً من المسؤولية عندما تتحول إلى مصدر أذى للآخرين. المجتمع الذي يخاف من تسمية المرض باسمه، محكوم بأن يموت ببطء. الصمت هنا ليس حياداً، بل مشاركة. والتساهل ليس إنسانية، بل تواطؤ صريح ضد مستقبل المجتمع وأمنه. لا يمكن بناء دولة بنصف قانون، ولا يمكن ترميم مجتمع إذا كانت الوقاحة محمية، والعنف مبرَّراً، والانضباط موضع سخرية.
من دون حسم أخلاقي وقانوني واضح، سننتج جيلاً لا يرى في النظام إلا قيداً، ولا في الدولة إلا عدواً، ولا في المجتمع إلا ساحة صراع. عندها، لن نسأل لماذا فشلت إعادة الإعمار، بل لماذا لم يكن هناك مجتمع صالح للإعمار أصلاً.
الحل ليس أخلاقياً فقط، بل مؤسساتي. يبدأ بإعادة الاعتبار للقانون كمرجعية لا تُفاوض، وبناء برامج جدية لإعادة التأهيل النفسي والاجتماعي، وفرض حدود واضحة في الفضاء العام والرقمي. بعض الحالات تحتاج إلى احتواء، وبعضها يحتاج إلى ردع، وبعضها – دون مواربة – يحتاج إلى السجن، لأن أمن المجتمع وسلامته ليسا مجالاً للتجارب الرومانسية.
التجارب الدولية واضحة. الدول التي خرجت من حروب طويلة ولم تعالج ملف “جيل الصراع” دفعت ثمناً باهظاً لاحقاً. البوسنة، رواندا، العراق، وأفغانستان، كلها نماذج على أن تجاهل الأثر النفسي والاجتماعي للحرب يؤدي إلى موجات عنف لاحقة، حتى بعد سنوات من توقف القتال.
المعركة الحقيقية اليوم ليست على الأرض فقط، بل في إعادة تعريف الطبيعي. الطبيعي ليس الشتيمة، ولا العنف، ولا الاستباحة. الطبيعي هو النظام، والمسؤولية، واحترام الحدود. إعادة بناء الإنسان أصعب من إعادة بناء الحجر، لكنها المعركة الوحيدة التي تستحق أن تُخاض بجدية.
إن لم نواجه هذه الحقيقة الآن، سنواجه نتائجها لاحقاً، لكن بثمن أعلى، وبأدوات أقل، وفي وقت يكون فيه الإصلاح أصعب بكثير.

٭ كاتب واعلامي سوري



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

الحسين يقترب من شراء أبو غوش ولاعبين اثنين آخرين من شباب الأردن

الأرض تبلغ الأوج الشمسي الاثنين في أبعد مسافة عن الشمس خلال العام

المياه والري توضح حقيقة الأخبار المضللة حول مشروع الناقل الوطني

الجمعية الأردنية للماراثونات تطلق النسخة الأولى من سباق فسيفساء مأدبا 2026

768 مليون دينار صادرات تجارة عمان بالنصف الأول من العام الحالي

قطر تعلن استئناف أنشطة الملاحة البحرية بأثر فوري

عمّان الأهلية .. عندما تُنافس جامعة أردنية نخبة العالم

جامعة اليرموك تؤكد عودة موقعها الإلكتروني وجميع الخدمات للعمل

مسيّرة إسرائيلية تحلق في أجواء الضاحية الجنوبية لبيروت

الجيش يحبط محاولتي تهريب كمية كبيرة من المواد المخدرة بواسطة بالونات

هيئة الخدمة: عقد اختبارات تنافسية إلكترونيا بجامعتي اليرموك والعلوم والتكنولوجيا

ارتفاع الصادرات الزراعية خلال النصف الأول للعام الحالي

الذهب يحافظ على استقراره في السوق المحلية خلال تعاملات الأحد

أوبك+ يوافق مبدئيا على رفع حصص إنتاج النفط 188 ألف برميل يوميا في آب

لماذا تبني الدول الكبرى مراكز للقيادة الاستراتيجية؟ وماذا تعني التجربة المصرية؟

موعد مباراة المغرب وكندا في كأس العالم 2026 .. التوقيت في الدول العربية والقنوات الناقلة والبث المباشر

ذهب وملابس داخلية ذهبية تهز العراق .. ماذا يحدث؟

حادث مأساوي يودي بحياة شاب أردني في الولايات المتحدة

الصحافة الأجنبية تعلق على مباراة الأردن والأرجنتين .. ماذا قالت عن أبو ليلى وهدف ميسي

ماذا حدث لمتّبعي نظام الطيبات؟ أطباء يحسمون الجدل والأرقام تكشف المفاجأة

توقعات الذكاء الاصطناعي لبطل مونديال 2026 .. المرشح الصادم

هبة مجدي تكشف أزمتها الصحية وتخوض رحلة علاجية ضد السرطان

أفضل سيارة كهربائية في الأردن 2026 .. مفاجأة صينية تتفوق على المنافسين بالسعر والمواصفات

رحيل بطل مسرحية 'شاهد ما شفش حاجة'

قبول الدخالة في قضية طالب التوجيهي فهد أبو شايب .. والأردنيون ينتظرون العدالة

موعد مباراة مصر وأستراليا في كأس العالم 2026 .. التوقيت والقنوات الناقلة والبث المباشر

استقالة خالد البكار .. هل تؤسس أول استقالة بسبب تضارب المصالح لمرحلة جديدة من المساءلة الحكومية؟

السجن خمس سنوات لمحاسب في الجمعية العلمية الملكية بتهمة الاختلاس

غرامات تصل 3000 دينار لمخالفي تعليمات إخفاء السجائر

تفاصيل جديدة في قضية اختلاس بآلاف الدنانير