ستون عاما على رواية مهمة
05-07-2026 03:01 AM
نحتفل كسودانيين هذه الأيام، وربما تحتفل معنا كثير من المحافل العربية، بمرور ستين عاما على صدور رواية «موسم الهجرة إلى الشمال»، للأديب الراحل الطيب صالح، حيث صدرت طبعتها العربية الأولى عام 1966 في بيروت، وترجمها المترجم الراحل دنيس جونسون ديفيز، في الوقت نفسه لتصدر باللغة الإنكليزية، وتنتشر بعد ذلك في عدد كبير من اللغات، وتصبح أيقونة للأدب السوداني، وأيضا نصا لامعا في الكتابة العربية، والعالمية، ما زال يقرأ ويناقش، وتعاد طباعته، وتكتب عنه الدراسات والمقالات، حتى الآن.
بحسب معلوماتي، فإن الطيب كتب في البداية روايته القصيرة «عرس الزين»، التي استوحاها من شخصيات محلية عاصرها، وأحداث صارت في قريته في شمال السودان في فترة وجوده أو زياراته لها أيام دراسته، لكنه نشرها بعد «موسم الهجرة…»، التي كتبها لاحقا تحت تأثير الغربة والحياة في أوروبا. وقد تناولت الرواية كما هو معروف، العلاقة بين الشرق والغرب، وانضمت إلى عدد من الروايات التي ناقشت المسألة نفسها مثل «عصفور من الشرق» لتوفيق الحكيم، و«الحي اللاتيني» لسهيل إدريس، لكن كان تناول العلاقة هنا عبقريا، ومنفردا، لذلك حظيت رواية الطيب على هذه الشهرة العريضة.
والقارئ لـ«موسم الهجرة…»، بغض النظر عن موضوعها، وتناولها لمعنى العلاقة بين الشرق والغرب، واستخدامها للجنس كأداة مساعدة في ترسيخ المعنى، يلاحظ لغة عظيمة، تقترب كثيرا من الشعر في مقاطع كثيرة. لغة إيحائية فاخرة، تستطيع أن تحفظها وترددها كالقصائد، مثل هذه العبارة على لسان مصطفى سعيد: «غرفة نومي ينبوع حزن، جرثومة مرض فتاك، العدوى أصابتهن منذ ألف عام، لكني هيجت كوامن الداء حتى استفحل وقتل».
وأظن هذا ما ساعد أيضا في انتشار النص، حيث فوجئ القراء بمذاق جديد في السرد لم يألفوه، وشخصيات حية ونابضة، تثير التكهنات، والتساؤل، وقد طرح سؤال العلاقة بين المؤلف وبطل الرواية مصطفى سعيد مئات المرات، ولم يعثر الذين سألوا على إجابة مقنعة حتى الآن.
شيء آخر ساهم في انتشار الرواية التي بلغ توزيعها كما قلت رقما كبيرا، وقد شاهدت مرة فيديو يتحدث فيه مترجم الرواية إلى الروسية، وقال إن الرواية وزعت في اللغة الروسية حوالي سبعمئة ألف نسخة، وهذا طبعا رقم جيد ومجيد في الوقت نفسه، لا يوجد كتاب يوزع هكذا إلا نادرا.
أردت القول إن ما ساهم أيضا في انتشارها، خلو الأجواء في تلك الأيام البعيدة من هوس التكنولوجيا، واستيلاء الأدب وحده على الترفيه، والاهتمام لدى الناس، لم يكن هناك ما يشغل، لا هواتف نقالة تقرب البعيد وتحول العالم إلى قرية صغيرة جدا في راحة اليد. كانت الكتب تسري بين الناس مرفوعة الرأس، والمكتبات عامرة في كل مكان، وأذكر في منتصف سبعينيات القرن الماضي، وكنا نعيش في مدينة الأبيض في غرب السودان، وجود عدد لا بأس به من المكتبات وأكشاك بيع الكتب، وفرشات للكتب المستعملة، وفي تلك المكتبات البعيدة ستعثر على مؤلفات دستوفيسكي، وتولستوي، وألبير كامي، ونجيب محفوظ، وكل من كتب حرفا في ذلك العصر المضيء.
وجود «موسم الهجرة…» وانتشارها بهذه الطريقة، ألقى بظلاله على الأدب السوداني قبل وبعد الطيب، هذا شيء يجب الاعتراف به. فقد كتب كثيرون قبل الطيب روايات محلية مثل أبوبكر خالد، وكان كاتبا جيدا، وكتب إبراهيم اسحق إبراهيم بعد الطيب بقليل، وكان كاتبا عظيما حقا، لم يأخذ حقه في المحافل العربية، لكنه منتشر في بلده بشدة، وله تلاميذ وعشاق، وشخصيا ناقشته في هذا الموضوع قبل رحيله، ولم يكن يريد أن يذهب خارج السودان، وعاش وأبدع ومات، كاتبا محليا مبجلا.
ثم جاءت أجيال جديدة، منها الجيل الذي أنتمي إليه، أضافت بلا شك، مثلها مثل أي أجيال في أي بلد من العالم، لكن ما زال الناس يجرون المقارنات، وجاءت مقولة سقف الرواية السودانية الذي لا يخترق التي أطلقها القاص والناقد الراحل عيسى الحلو، وما زال كثيرون يستخدمونها حتى الآن للتقليل من شأن كتاب الأجيال الجديدة.
لقد تحدثت صراحة عن موضوع السقف هذا، تحدثت مع عيسى نفسه، وكنت ألتقيه سنويا في السودان قبل رحيله، وتضعضع السودان بسبب حرب مقيتة، لم تنته حتى الآن. قلت له يمكنك أن تتحدث عن أيقونة، عن مؤسس لأدب رفيع، فقد أصبح سرفانتس برائعته «دون كيشوت» أيقونة للأدب الأسباني، وسرماغو للبرتغالي، وماركيز في أمريكا اللاتينية، وجيمس جويس في إنكلترا. لكن هؤلاء العباقرة لم يضعهم أحد سقوفا، ويقيم مباريات لاختراقهم، كل كاتب لديه مشروع، ورؤية واجتهاد شخصي، ومقدرة على الإضافة كما أعتقد، وكل جيل له أفكاره التي لن تلغي أفكار الذين سبقوه، ولكن تضيف إليها من مستجدات الحياة الحديثة.
والمتابع للطيب في حواراته القليلة التي أجراها هنا وهناك، يجد كاتبا لم يرد أن يضعه أحد سقفا، سيجد حكاء متواضعا طيبا، قد تجلس معه ساعات ولا تمل الجلوس، وهذا ما كنت أفعله حين يأتي لزيارتنا، كنت أجلس وأستمع وأتمنى أن لا تنتهي الجلسة.
كل التقدير والاعتزاز بـ«موسم الهجرة إلى الشمال»، التي صنعت لنا كسودانيين اتكاءة عظيمة.
إنها أحد النصوص الخالدة التي قال الكاتب التركي أورهان باموق، إنها موجودة لكنها قليلة.
*كاتب من السودان
أسعار الذهب ترتفع عالميًا .. هل حان وقت الشراء أم البيع
بعد هروب دام أسبوعين .. زرافة تعود إلى منزلها وتُعاقب بطريقة غير متوقعة
ماذا يحدث للديمقراطية البريطانية؟
البطيخ الأحمر: أبعد من سعار إسرائيلي
لليوم الرابع .. توقف موقع جامعة اليرموك يثير تساؤلات مع بدء السحب والإضافة
فرنسا تخطف بطاقة ربع نهائي مونديال 2026 بهدف قاتل .. ومواجهة نارية تنتظرها أمام المغرب
الأردن يُجلي 21 مواطنا أردنيا من فنزويلا
تطورات قضية شطب عضوية صبا مبارك و20 فنانًا .. وهذا رد نقابة الفنانين الأردنيين
الأهلي السعودي يعلن رحيل الجزائري رياض محرز عن صفوفه
مع طقس الصيف في الأردن .. 7 أخطاء في شراء وتخزين مياه الشرب قد تهدد صحة الأسر
ذهب وملابس داخلية ذهبية تهز العراق .. ماذا يحدث؟
حادث مأساوي يودي بحياة شاب أردني في الولايات المتحدة
الصحافة الأجنبية تعلق على مباراة الأردن والأرجنتين .. ماذا قالت عن أبو ليلى وهدف ميسي
ماذا حدث لمتّبعي نظام الطيبات؟ أطباء يحسمون الجدل والأرقام تكشف المفاجأة
توقعات الذكاء الاصطناعي لبطل مونديال 2026 .. المرشح الصادم
هبة مجدي تكشف أزمتها الصحية وتخوض رحلة علاجية ضد السرطان
أفضل سيارة كهربائية في الأردن 2026 .. مفاجأة صينية تتفوق على المنافسين بالسعر والمواصفات
رحيل بطل مسرحية 'شاهد ما شفش حاجة'
موعد مباراة مصر وأستراليا في كأس العالم 2026 .. التوقيت والقنوات الناقلة والبث المباشر
استقالة خالد البكار .. هل تؤسس أول استقالة بسبب تضارب المصالح لمرحلة جديدة من المساءلة الحكومية؟
السجن خمس سنوات لمحاسب في الجمعية العلمية الملكية بتهمة الاختلاس
غرامات تصل 3000 دينار لمخالفي تعليمات إخفاء السجائر

