من يسرق الماء يسرق من الجميع
19-08-2026 02:55 AM
سبعة وسبعون مليار لتر من المياه. ليست كمية ضاعت في موسم جفاف قاسٍ، ولا مخزونًا تبدد بسبب انحباس المطر. إنها، وفق الأرقام التي كشفت عنها وزارة المياه والري، حصيلة مياه سُرقت نتيجة الاعتداءات على الوصلات المنزلية منذ عام 2023 وحتى اليوم، عبر أكثر من خمسين ألف اعتداء.
ولكي يخرج الرقم من برودة الإحصاء، تكفي مقارنته بسد يعرفه الأردنيون جيدًا. السعة التخزينية لسد الملك طلال تبلغ نحو 75 مليون متر مكعب. أي أن المياه المسروقة خلال هذه السنوات، من حيث الحجم، تزيد على كمية تكفي لملء خزان بمثل سعته كاملًا.
هنا تصبح القضية أكبر من عداد جرى العبث به، أو وصلة امتدت خلسة إلى منزل أو مزرعة، أو شخص ظن أنه تحايل على فاتورة مياه.
السؤال الحقيقي هو: ممن سرق هذه المياه؟
من السهل أن يتصور المعتدي أنه يأخذ من شركة أو مؤسسة حكومية، وأن الخسارة ستظهر في دفاتر جهة لا يعرف أصحابها ولا يشعر بها مباشرة. لكن المياه ليست سلعة فائضة في مستودع. في بلد يعاني أصلًا من شح مائي مزمن، ما يؤخذ من الشبكة بطريقة غير مشروعة هو جزء من مورد محدود يشترك الناس في الحاجة إليه.
حين يحصل شخص على حصة أكبر مما يستحق خارج الدور والنظام، هناك طرف آخر في الشبكة لا يتمتع بالامتياز نفسه. وحين تتحمل منظومة المياه كلفة استخراج الماء وضخه ومعالجته ونقله ثم لا تحصل على بدله بسبب السرقة، فالكلفة لا تختفي. هناك دولة وشركات ومشتركون ملتزمون بالقانون ومنظومة كاملة تتحمل النتيجة.
ولهذا فإن وصف سرقة المياه بأنها مخالفة فردية لا يكفي لفهمها.
الأرقام نفسها تقول إن المسألة تجاوزت الحالات المعزولة. أكثر من 13 ألف اعتداء سجلت في 2023، وأكثر من 16 ألفًا في 2024، ثم أكثر من 14 ألف اعتداء في 2025، إضافة إلى أكثر من ستة آلاف منذ بداية العام الحالي حتى إعلان الأرقام. وزارة المياه تقول إن الكميات بلغت أكثر من 14 مليون متر مكعب في 2023، وأكثر من 20 مليونًا في 2024، ثم 26 مليونًا في 2025 ونحو 17 مليونًا خلال الفترة المنقضية من 2026.
هذه ليست حادثة. إنها نمط يستحق أن نتوقف أمامه.
والمفارقة أن بعض التبريرات التي يمكن أن يجدها المعتدي لنفسه حُسمت شرعيًا منذ سنوات.
دائرة الإفتاء العام الأردنية تلقت عام 2016 سؤالًا واضحًا: ما حكم الماء المسروق من خلف عدادات المياه؟
كان الجواب واضحًا بالقدر نفسه. اعتبرت الدائرة المحافظة على المياه واجبًا شرعيًا ومسؤولية جماعية، وحرمت الاعتداء عليها سواء بالسرقة أو تعطيل العدادات أو بطرق أخرى للحصول عليها خارج المسار المشروع.
لكن الأهم في الفتوى أنها ذهبت إلى جوهر حجة قد تبدو جذابة للبعض: أليس الماء حقًا مشتركًا بين الناس؟
دائرة الإفتاء فرقت بين الماء الموجود في صورته الطبيعية المباحة، وبين ماء استخرجته جهة، وعالجته، وراقبت سلامته، ونقلته عبر شبكات وكلف مالية حتى وصل إلى المستهلك. وحديث الشراكة في الماء، بحسب الفتوى، لا يمنح أحدًا حق كسر عداد أو مد وصلة غير مشروعة أو أخذ مياه الشبكة من دون دفع بدلها.
وهذا التفريق مهم، ليس من الناحية الشرعية فحسب، بل من ناحية المسؤولية الاجتماعية أيضًا.
أن يكون الماء ضرورة للحياة لا يعني أن يصبح الاستيلاء عليه حقًا. فالخبز ضرورة، والدواء ضرورة، والكهرباء أصبحت من ضروريات الحياة، ومع ذلك لا تتحول الحاجة إلى تصريح مفتوح لأخذ حقوق الآخرين.
الأكثر لفتًا في فتوى الإفتاء أنها لم تعتبر إغلاق الوصلة المخالفة نهاية القصة.
من اعتدى على المياه، وفق الفتوى، مطالب بالتوبة ورد قيمة ما أخذ حتى إن مضى عليه الزمن. الحق هنا لا يمحوه إخفاء الوصلة ولا إزالة آثار الاعتداء بعد سنوات.
هذه نقطة تستحق أن تُسمع اليوم أكثر مما كانت تحتاج إلى أن تُسمع قبل عشر سنوات، عندما صدرت الفتوى.
فالحديث الآن عن 77 مليار لتر. مجرد تحويل الرقم من الأمتار المكعبة إلى اللترات يكشف ضخامته. ومقارنته بسعة سد الملك طلال لا تهدف إلى الإثارة، بل إلى فهم ما تخفيه سبعة أصفار خلف رقم حكومي قد يمر على القارئ سريعًا.
لكن تحميل المسؤولية للمعتدي لا ينبغي أن يتحول إلى إعفاء الجهات الرسمية من واجبها.
المسؤولية تبدأ من المعتدي، لكنها لا تنتهي عنده.
حماية شبكات المياه مسؤولية الدولة. وضبط الاعتداءات مسؤوليتها. وتقليل الفاقد الفني، وإصلاح التسربات، ورفع كفاءة الشبكات، وضمان وصول المياه بعدالة، كلها جزء من المعادلة. المواطن الذي يُطلب منه احترام دوره ودفع فاتورته من حقه أيضًا أن يرى شبكة محمية وخدمة عادلة ومحاسبة لا تفرق بين معتدٍ صغير وآخر كبير.
ولا ينبغي الخلط بين نوعين من الفاقد. الماء الذي يتسرب من أنبوب مهترئ ليس ماءً مسروقًا، والمواطن لا يتحمل مسؤولية خلل فني في الشبكة. وفي المقابل، لا يمكن استخدام وجود فاقد فني أو مشكلات في الخدمة ذريعة لسرقة المياه. لكل مشكلة مسؤولها، ولكل منها واجب علاج مختلف.
ما تحتاجه القضية، إذن، ليس مزيدًا من الوعظ وحده، ولا حملات موسمية تنتهي بعد ضبط عدد من الوصلات.
تحتاج إلى تحويل الاعتداء على المياه في الوعي العام من صورة "التحايل على الشركة" إلى حقيقته: أخذ مورد محدود خارج قواعد العدالة التي يفترض أن تحكم توزيعه.
فالشخص الذي يدفع فاتورته، وينتظر دوره، ويرشد استهلاكه، لا ينبغي أن يشعر بأنه الطرف الساذج في المعادلة، بينما يحقق المعتدي منفعة أكبر لأنه أكثر قدرة على تجاوز القانون. متى ترسخت هذه الصورة، تتضرر قيمة الالتزام نفسها، لا شبكة المياه فقط.
وهنا يلتقي القانون والأخلاق والشرع عند نقطة واحدة: لا يمكن بناء عدالة في توزيع مورد نادر إذا كان بعض الناس يمنح نفسه حقًا لا يملكه الآخرون.
سبعة وسبعون مليار لتر تعني أن القضية لم تعد هامشًا صغيرًا يمكن تجاهله. والفتوى التي سبقت هذه الأرقام بعقد تقريبًا وضعت المسألة في عبارتها الواضحة: الاعتداء محرم، وأخذ المياه بغير حق لا يصبح مشروعًا لمجرد مرور الزمن.
الماء المسروق لا ينقص من حساب شركة فقط. إنه يُنتزع من مورد محدود نتقاسمه جميعًا، ومن يعتدي عليه لا يأخذ أكثر من حصته وحسب؛ بل يأخذ من حق الآخرين أيضًا.
بعد سرقة 77 مليار لتر في الأردن .. فتوى تحسم الحكم الشرعي
النقل المدرسي المجاني يبدأ الأحد .. من يشمله فعلًا وكيف يعرف الأهالي أن أبناءهم ضمن الخدمة؟
حقيقة الذهب والكنوز بوادي السير .. الآثار الأردنية تحسم الجدل وتوجه رسالة للبحيشة
77 مليار لتر سُرقت من مياه الأردن .. رقم يفوق سعة سد الملك طلال
سوريا تدين الاعتداءات الإسرائيلية على مطار أبو الظهور
إيران تنفي إطلاق صواريخ باتجاه الإمارات
القبول الموحد يغلق قبل المكرمة .. موعدان مختلفان وخطوة لا يجوز تأجيلها
اللجنة الأولمبية تجتمع بالبعثة المشاركة في ناغويا 2026
الاحتلال يطرح عطاء لبناء 1234 وحدة استيطانية بـ إي1
نمو الإيرادات الضريبية في الأردن
ما وراء سلاح المليشيات وسلاح الدولة
عتب وحنين وتساؤلات .. اسم الراحل هاني شاكر يتصدر مجدداً
أسعار الذهب ترتفع في الأردن الأربعاء
جريمة مروعة في الكويت تدور حول أردني وابنه .. ما القصة
أردني اصطحب والدته لبرنامج زواج دون علمها وما حدث بعدها أشعل الغضب
في آب اللهاب .. الأردنيون على موعد مع أمطار غير اعتيادية
أمطار صيفية نادرة تفاجئ الشمال .. وهذا ما ينتظر الأردن خلال الأيام المقبلة
صدور قوائم تنقلات داخلية لمعلمين ومعلمات .. أسماء
بدأت بأجرة تصليح وانتهت بمنشار كهربائي .. تفاصيل مشاجرة القويسمة
خبر وفاة الفنانة دينا حرب تضج المواقع
مصرع زوج فنانة لبنانية بصعقة كهربائية أثناء الاستحمام
«خيّي وخيّك» .. اسم مطعم يفتح جدلًا لغوياً وإدارياً في الأردن
مهم من الحكومة بشأن الخدمات المقدمة للمواطن
والدة رونالدو تغيب عن زفافه واتفاقية قبل الزواج بشأن الثروة .. تفاصيل صادمة
تعديلات تمس الاقتراع والدعاية والترشح .. ماذا سيتغير في الانتخابات بالأردن؟